تخطى إلى المحتوى
Ayoub Radil

أيوب رديل
Ayoub Radil

باحث ومدون مغربي

أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد 

لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً

مكتبتي

لا تحلو القراءة إلا مع مكتبة
مجرب شخصيا
في ظل تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، يبرز خطاب في المغرب يحاول فرض التماهي مع الصهيونية كشرط للوطنية. هذا المقال يفكك هذه المغالطة، ويوضح لماذا تضر بسيادة الدولة، ويعيد الاعتبار لمفهوم "تمغربيت" الحقيقي القائم على المصالح العليا والقرار المستقل.
لوحة تعبيرية تعكس السيادة المغربية في مواجهة التبعية الأيديولوجية.
Facebook
X
Pinterest
WhatsApp
Telegram
Email
Print

في خضم الأحداث الحالية في الشرق الأوسط من الحرب الجديدة أو المتجددة، والتي شنها أحباب إبستين على إيران، واستهلوها باستهداف مدرسة أطفال، في مشهد صارخ يخرق الأعراف والمواثيق، لأنه جاء في الوقت الذي تتم فيه لقاءات دبلوماسية، والحوار كان مستمرا على طاولة المفاوضات، والواضح من هذا التصعيد أن هدفه إشعال المنطقة، وخلخلة الموازين كلها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهذا لم يعد سراً فقد صرح به رئيس وزراء الكيان الحالي بنيامين نتنياهو، وذلك بإغراق المنطقة كلها في الفوضى، والهدف كما صرح السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هوكابي هو إنشاء إسرائيل الكبرى.

الظاهرة: حين يصبح التماهي مع القرار الصهيوني مرادفًا للوطنية

ما أود تناوله هنا ليس تفاصيل أو مجريات هذه الأحداث، بقدر ما أريد تسليط الضوء على ظاهرة معينة نعيشها في بلدنا المغرب، وهذه الظاهرة لم تكن صريحة في السابق إبان ما يطلق عليه حرب طوفان الأقصى، بقدر ما باتت فجة حاليا، وهذه الظاهرة هي “التماهي مع القرار الصهيوني كيفما كان ومهما كان”، لدرجة أنه بات عند فئة واسعة مرادفاً للوطنية، ورفض ما يقوم به الصهاينة وأحباب إبستين يعد خيانة وما إلى ذلك من الأوصاف والمزايدات الرخيصة.

تفكيك الطرح المتصهين: مغالطات تُصادر الوطنية

المزايدة على الموقف الرسمي للمملكة

وهنا أريد تفكيك هذه الظاهرة التي تتأسس على مغالطات عدة، أبرزها أنها تزايد حتى على الموقف الرسمي للمملكة المغربية الشريفة، حيث تربط مصير مملكة عمرها قرون مديدة وإمبراطورية تاريخية قوية، بمصير كيان صهيوني محدث مبني على الاحتلال والدموية، فهل هذه هي الوطنية الجديدة التي ينشدها هؤلاء؟

عِداء إيران لا يبرّر ولاءً مطلقًا لإسرائيل

طبعا، المبرر الحالي هو الخصومات مع الطرف الثاني في هذه الحرب وهو إيران، ولا يُنكر نهائياً الضرر الذي تسببت فيه المواقف الإيرانية في القضايا المغربية وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، هنا نجد المغالطة الثانية ، وهي أن دعاة هذا الطرح هم أنفسهم يعلمون جيداً أن الجار الشرقي للمغرب المتمثل في النظام الجزائري هو السبب الحقيقي، فهو من يجر أي حليف له إلى لعبة صفرية، أي أنه يفرض على أي حليف أو شريك الدخول في هذه القضية كشرط للشراكة والانفتاح، وهذا يحصل مع دول عديدة منها دول مازال المغرب يتعامل معها رسميا إلى الآن، كما تعامل في فترات طويلة مع النظام الإيراني نفسه حيث امتدت العلاقات إلى أزيد من عشر سنوات متصلة قبل 2018 مثلاً، وهذا يدل على أن هذا الموقف المتماهي مع الصهيونية الإبستينية غير مبرر بما يدعونه.

“عدوّ عدوي صديقي”: منطق يُفشل الدبلوماسية

وللأسف، فهذا الموقف الذي ينبني على أن “عدو عدوي هو صديقي المطلق” هو ضرب في جميع الأعراف الدبلوماسية والاستراتيجية الدولية، فالمغرب يبني علاقاته وفق المصالح وليس الإيديولوجيات، حيث أن المصلحة التي دفعته للبحث عن منافذ لفك وحلحلة ملفاته العالقة أوجدته في خندق معين، وهذا لا يعني أنه صار بيدقا عند هذا المعسكر أو ذاك، لكن دعاة التماهي مع الصهيونية، يلمزون المغرب ويطعنون في مواقفه بهذا الطرح، لأنهم يصورون أن المملكة المغربية ضعيفة وليس لها وجود دون الحضور الصهيوني، وكأن الصحراء لم تكن مغربية قبل إنشاء أمريكا نفسها ليس فقط الكيان، فلماذا يجعلون المشهد وكأن الصحراء منحة وهِبة صهيونية للمغرب وعلى المغاربة أن يكونوا عبيدا أذلاء يطبلون ويتماهون مع كل الأفعال الصهيوإيبستينية؟ أليس هذا طعنا صريحا في مصداقيتهم؟

لماذا يضرّ هذا الخطاب بالمغرب؟ صورة الدولة والتمثيل السيادي

هنا صار تعريف هؤلاء للوطنية هو التماهي مع الصهيونية، وهو أمر لا تقرّ به السلوكات الرسمية ولا أي ممارسة من مؤسسات الدولة، بل على العكس، هذا يضغط على موقف الدولة ويجعل التمثيلية السيادية الشعبية ضعيفة، حيث يظهر المغرب كأنه عالة على القرار الصهيوني وعديم الإرادة ومجرد تابع على الساحة الدولية، وهو أمر لا أساس له وبالعكس تماما، فمواقف الدولة المغربية مع الجميع بما فيها الأطراف المعادية، يعطيها مصداقية دولية بسبب الحكمة والتوازن في التعامل الرسمي، فمن رئاسة لجنة القدس إلى المواقف الإنسانية مع الفلسطينيين، وكذلك العديد من مناطق العالم سواء في القارة الإفريقية أو خارجها تمنح المغرب صوتا وحضورا وازنين دوليا، وعوض استثمار هذا الموقف كما يحصل مثلا مع سلطنة عمان، والتي بإمكان المغرب القيام بدور موازٍ لها أو حتى أفضل على مستوى الوساطات والمفاوضات، نجد هذا النوع من الخطاب يسفه الموقف المغربي تحت غطاء التطبيل له، إذن هنا نسأل فعلا هل هذه هي الوطنية التي ينشدونها ولصالح من يقومون بإضعاف موقف المغرب على المستوى الدولي وعلى مستوى الرأي العام الدولي؟!

مسؤولية الداخل: كيف ساهمت المعارضة في صناعة هذا الانفلات؟

ولا أترك الفرصة لأقول أن الموقف المعارض المغربي هو المشكل الأساسي، وهو من يتحمل المسؤولية التاريخية لهذه الحالة، لأنه موقف تم تأطيره بشكل خاطئ وتراكمي، حيث نجده ابتعد عن القضايا الوطنية، واتخذ اتجاهات حاقدة ومماحكات تهديمية عدمية، لم تُجدَّد آليات خطابه من سبعينيات القرن الماضي، فبقي يعتمد على أدبيات عفى عليها الزمن، باتت مجرد اجترارات، وتحولت ممارساته إلى تصيدات أخطاء بطريقة مقيتة بل مقززة أحيانا، وهذا ما فتح المجال لخطاب يظن أنه إذا فرح أو طبل دون وعي لإنجاز معين فإن من حقه مصادرة مفهوم الوطنية، ليحولها بعيدا عن بلاده بل يربطها بالصهيونية مثلا أو غيرها، وهنا لا أجد فرقا بين هؤلاء وبين من يتبع قطر أو تركيا أو الجزائر، الكل تابع في موقفه، إلا أن الخطر الجديد هو أن التبعية للموقف المتصهين، يراد أن يضفى عليها صبغة الوطنية، وذلك بالتطبيل الفارغ للإنجازات التي أصلاً لم يقدم فيها هذا الخطاب أي شيء، بل على العكس تماما كما ذكرت سالفا هو يبخس من المكتسبات والمواقف المغربية.

“تَمغْرَبيت” ليست تبعية… بل تقوية للداخل

أختم هذا المقال بالقول، إن المغربية والتمغربيت هي السعي بالخير وإعلاء شأن المغرب، وهي الالتزام بالمبادئ التاريخية المعروفة على المغرب وشعبه وأمته، ومعرفة أن الاختيارات الاستراتيجية لا تعتمد دائما على التماهي الأخلاقي بل على المصلحة الآنية ومقتضيات الوقت، وأن بعض المسارات تكون مختارة بمرارة وبإكراهات نتيجة ضعف داخلي أو ضغط خارجي قاهر، وقمة الوطنية هي السعي لتقوية الداخل وإعطاء الجهات الرسمية قوة داخلية بصفوف داخلية متينة وخطاب ونقاش داخلي رصين وصلب منبني على أخلاق متجذرة ومنيعة، لا تخدم أي جهة تريد اجتثاث المغرب من جذوره وامتداداته سواء الإسلامية أو العربية أو الإفريقية، وبالأخص الخطر الإيديولوجي الصهيوني الذي يدمر حلفاءه قبل أعدائه، وإجمالاً فكل محاولة لخلق شرخ هوياتي للمغرب من جميع الأطراف لهو الطعن الحقيقي في الوطنية.

5 2 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
0
يسعدنا الاطّلاع على رأيك، لا تتردد في ترك تعليقx