أيوب رديل
Ayoub Radil
باحث ومدون مغربي
أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد
لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً
كلمات مفتاحية ذات صلة
الرئيسية | مقالات | شؤون مغربية | ماذا استفدنا من الصحراء
أولا وقبل كل شيء أبارك لمجموع الشعب المغربي بالقرار الأخير للأمم المتحدة والنجاح الدبلوماسي في حل النزاع المتعلق بالصحراء المغربية.
وغرضي في هذا المقال بعيد عن تفاصيل حيثيات هذا الملف وخباياه التاريخية، لأني وبعد بحث مضني انطلق منذ مدة طويلة، ليس هنا محل عرضه، أكتفي بوصف أين انتهيت منه، فقد وجدتُني أبحث في مشكل بلاد شنقيط وأبحث عن كتاب ” تقييدٌ في تاريخ صحراء الساقية الحمراء ووادي الذهب وبلاد شنقيط ” لمؤلفه عبد الحي بن سيدي أحمد بن علال البربوشي الرگيبي وهو كتاب من القرن التاسع عشر تقريبا وتم تحقيقه مؤخرا، وليس هذا استفزازا لإخوتنا في موريتانيا، حاشا، ولكن توضيحا لكون المجال المغربي التاريخي قبل وإبان الاستعمار كان ممتدا وأوسع من هذا التقزيم الذي تم تداوله لدرجة محاولة تقسيم المغرب.
أما ما أود الخوض فيه هنا، فهو عدة تساؤلات بدأت تروج في الآونة الأخيرة، بين الأوساط التي تُحسب على ما يمكن وصفه بالمعارضة، وهي تساؤلات صدمتني شخصيا، لم أجد بدا من تناولها، بالرغم من إيماني وموقفي من الركوب على أمواج المواضيع الطارئة، ولكن هذا الموضوع ذو أهمية خاصة.
مسألة الوطنية
أولا هناك مشكلة واضحة فيمن يدعون المعارضة ونشدان الإصلاح، لكن بعد ظهور ملف الصحراء المغربية إلى السطح الإعلامي والتداول الشعبي العام، انطلق هؤلاء بكيل الانتقادات والتشكيك بل الإعلان صراحة عن عدم قبولهم بحلول هذا الملف، عبر وسائل منها الخفي ومنها المعلن، بل الأكثر منها أن هناك من وصل به الحقد إلى رفض ضم الصحراء رسميا إلى المغرب والتساؤل حول جدوى هذا الضم، وربما تخفى هذه المواقف عن الأغلبية الفرحة والتي تظن أن كل المعارضين مجرد طلاب حقوق وإصلاح، وهذه سذاجة مقبولة من العموم، لكنها مرفوضة ممن يتصدون للمشهد الثقافي والسياسي، فكما حصل مع منتديات ديسكورد وحراك جيل Z، -الذي مازلت أتفادى الكتابة عنه-، لم يدخل الأغلبية ممن تعاطفوا مع الحراك لهذه المنتديات وأسميها بذلك عرضا لأن تسمية سيرفر أو خادم لا تفي بالغرض ولا تنقل المفهوم، ولم يتعرفوا على الرموز التي تصدرت المشهد الوهمي والهلامي، وكذلك لم تتبع الرصد للمواقف الشبابية والتي أقول أن طرحي هذا يستهدفها، لأن هذه التساؤلات وجدتها عندهم وهي منتشرة أكثر مما يعتقد البعض، كما أن لدي مقف من توقيت الحراك، المتزامن مع تحرك ملف الصحراء المغربية في أروقة الأمم المتحدة مشبوه بشكل كبير.
وهنا نتوقف قليلا أمام هذا المشهد المؤلم للمغربي الحاقدين والذي سقط عنه قناع دعاوى الإصلاح، وتكشفت سوءة لا وطنيته المقيتة، وهو يدس هذه السموم في عقول الشباب المخدر بكل صيحات تغيير رنانة تجعله ينتشي بزهو وغرور الشباب، وبعد أن يصدم الواقع هؤلاء الشباب يتدارك الموقف ويسرع لاستغلال حنقهم وخيبته، ليبث سمه في العقول قبل أن تلتفت إليه لتدرك كذبه وتضليله وطوباويته الهلامية، ولمثل هذا نقول انسحبوا من صفوف ادعاء المعارضة وأزيلوا شعارات الإصلاح من قواميسكم، فهذا أفضل لموقفكم، لأن النفاق أبشع الأخلاق وهذا الموقف يسمكم مباشرة بالخيانة الوطنية، فأن تقول أنك لا تؤمن بالوطن أصلا أفضل لك من خيانته، وأن تدعو للانفصال صراحة أوضح لموقفك من الادعاء بمطالبة الدولة بالإصلاح، وأنك مجرد مواطن صالح والبقية هم الفسدة.
يوضح هذا الموقف لماذا يتموضع هؤلاء دائما في مواقف معادية حتى للإصلاح، ولا يعجبهم أي شيء مهما تم الإجماع على حسنه فهو يبقى قبيحا عندهم، فهم يشتغلون كصائد ذباب يتصيد الهفوات والأخطاء حتى فيما هو جميل، أما الفساد الحقيقي فلا يهمهم، لأنه مناسب لموقفهم، بل يتمنون لو أن جميع القطاعات فاسدة، لأن هذا سيحقق نبوءاتهم المغرضة، ويعضد موقفهم الكؤباني ، وهو ما سأحاول مناقشته في مقالة قادمة عن ” المعارضة النكائية”.
دعاة توحيد الأمة
ولعُجَاب المواقف تجد دائما دعاة توحيد الأمة، هم أنفسهم دعاة التقسيم وداعمي التشرذم والاقتتال، ولا يدركون أنهم تبيدقوا في مواقف متناقضة، ويا ويلك إن كشفت لهم هذا التناقض، لأنك ستشاهد حركات ذهنية يعجز عن ممارستها “حمادة موس” وأسميهم شخصيا المدهونون بالصابون البلدي المعرفي، فهم يمارسون رياضة التزحلق العقلي، في مشهد مستعار مما كنا نقوم به صغار في الحمام البلدي بدهن ركبنا بالصابون البلدي والتزحلق، لا يصدنا إلا الاصطدام رضخا مع الحائط، وهو نفس الفعل الذي ستشاهده في كل نقاش مع هؤلاء، فكيف لمن يدعو للتوحد أن يكون مِعولا هدّاما مؤيدا للتقسيمات؟، في الوقت الذي يشهد الوطن العربي حالة غليان وعدم استقرار، فالأمثلة شاخصة أمامنا في عديد من الأقطار العربية، حيث وصل الحال بنا لمطالبة الشعوب بتقبل الاستبداد والإصلاح التدريجي، مقابل الحفاظ على الأمن والوحدة، وذلك لفظاعة ما نراه من بشائع لا إنسانية يشيب لها الولدان، وترجعنا القهقرة إلى مصاف الهمج في بعض الأحيان.
وكل هذا بسبب انشغال النخب بالتهديم، عوض التفكير في حلول وبدائل ومشاريع حضارية تؤطر أي خطوة إلى الأمام، بل نجد أنفسنا أمام نخب تلهث فقط وراء السلطة والحكم، تحت شعار دعني أحكم أولا ثم أفكر في الإصلاح ثانيا، متغطين تارة بالدين، وتارة بالتقدمية، وتارة أخرى بالليبرالية العوجاء. إذن نحن أمام خيارين أحلاهما علقم، والأنكى هو أن الأمرّ علقمٌ مع القتل والإبادات والتقسيم والتشرذم. والغريب أن دعاة الوحدة هؤلاء يصطفون مع التقسيم، فقط لأن ألوان أقمصة الخصوم تغيرت عليهم، وهم لا يتبعون المبادئ بل يتبعون ألوان القمصان، في سذاجة لا نظير لها، وأحيانا عن قصد ودهاء وخبث، فتجدهم يحرضون أتباعهم والمتأثرين بهم على التقسيمات وتهديم الأوطان، من أجل أغراضهم في الوصول إلى سدة الحكم حتى ولو انهارت الأوطان.
ماذا استفدنا من الصحراء المغربية؟
يتم طرح هذا السؤال مؤخرا بشكل واسع كما ذكرت سابقا ممن يدعون أنهم مجرد معارضين، وتغاضيا عن صدق أو كذب هذا الادعاء، نقول لهم إن الاستفادة أكبر مما يتخيل الجميع، وأولها وأبسطها أنكم أعزائي المعارضون سينضم إليكم جم غفير من الطاقات والكفاءات المعارضة، التي ستطالب بالإصلاح، ولديها ضغط دولي يحميها، بمعنى إذا كانت نيتكم فعلا الإصلاح فهذه فرصة تاريخية لمحاربة الفساد، بعيدا عن مزايدات الوضع السياسي، وبعيدا عن التخوين واتهامكم بالعداء للوحدة الترابية والانفصالية أو بالعمل لمصالح جهات خارجية، فهاهي الشماعة الانفصالية قد زالت. إنها حقا فرصة لإثبات صدق النوايا، وطرح النماذج والمشاريع والمقترحات، فالفسدة كانوا دائما يتخذون الوطنية ذريعة وغطاء، وأنهم ضد الانفصال لينهبوا ويسلبوا، بل وليبتزوا الدولة بأنهم في أي لحظة سيغيرون الفريق إذا لم تتحقق رغباتهم. لا أفهم صراحة عدم رصد مدعي المعارضة هذه الفرصة التاريخية، إلا أن يكونوا ببساطة ليسوا بمعارضة بل مجرد معاول هدم حاقدة.
أما الاستفادة الثانية فهي بديهية في قطر أو مجال سيادي، لأن امتلاك مساحة سيادية أوسع في قارة غنية بالموارد والمعادن والثروات الطبيعية، لهو أكبر استفادة من أجل الإقلاع والتطور، وإيجاد مصادر تدعم الإصلاح والتطوير، وهذا ما توفره الصحراء المغربية، ناهيك عن الثروة الحقيقية والأهم وهي الثروة الإنسانية، التي أُنهكت بالنزاع والمزايدات، ويتم هدرها بين الاستقطاب والمتاجرة بالقضية والاستغلال الريعي، وبهذه الثروة يمكن أن يتغير كل شيء وتنقلب كافة الموازين، سواء على مستوى التهيئة أو التنمية المجالية، أو على مستوى توسيع الاستثمارات استخراج الموارد دون حاجة لريع أو سوق سوداء لأن القوانين الدولية تحاصر ما يتم استخراجه في المنطقة.
مسألة اكتمال السيادة
وهنا نصل إلى النقطة الحساسة وهي الاستفادة السيادية، فالمغرب لم يكن بالقوة اللازمة والوازنة التي يستحقها، والتي تعبر حقا عن قوته وامتداده الجيوسياسي، بسبب ليّ الذراع الدائم والمستمر من قبل المنظومة الدولية، سواء من خصومه أو حتى أصدقائه، فكما يعلم الجميع الصداقات على المستوى الجيوسياسي والدولي ليست مثل صداقة روميو وألفريدو، فهي مصالح متبادلة ومشتركة، وهي علاقة ندية وقوة واستغلال وليست علاقة محبة، ذلك لأن المغرب مهدد في أي لحظة بالتقسيم وتصعيد النزاع وافتعال شرارة تأجج الوضع.
كما أن الوضعية الرسمية هي أن المغرب لديه قضية عالقة في الأمم المتحدة، الشيء الذي يجعل موقفه ضعيفا وأقل تأثيرا، لدرجة تصل إلى الابتزاز أحيانا والضغط لاتخاذ مواقف ضد الإرادة الشعبية، فقط للنجاة بالبلد من مغبات معارضة المنظومة الدولية، وهنا أدق باب من يدعون أنهم ضد التطبيع، وأخصهم بالذكر لأن مؤاخذاتي عليهم كبيرة جدا، فهم يقعون في فخ ادعاء الأخلاقية virtue signaling لشرعنة معارضتهم في مجالات أخرى، دون وضع تصورات حقيقية تعالج المشكل بموضوعية وعقلية ذات أفق أوسع ورؤية شاملة، ويا ويلك مجددا من مناقشتهم بهذا الخصوص فسترى التزحلق بأشكال عجيبة غريبة، ليس هنا محل الخوض في هذه المؤاخذات، يكفي أن أقول لهم، أنتم تقبلون أكثر من التطبيع، بل الذل والانبطاح، إذا ما قُدِّم لكم بتزويقات مناسبة وبكلمات منغنغة دينية وعاطفية، وبوجه تكسوه لحية نفاقية وشخصيات تدعي الجهاد، بل تصفقون وتبررون، وأكتفي بهذا لأعود إلى موضوع السيادة، وأذكّرَ المعارضة أن المغرب القوي خير من المغرب الضعيف، مهما كانت توجهات هذه المعارضة، فقوة البلد تنعكس على قوة مؤسساته وعلى مكوناته السياسية والمدنية.
أزمة الفساد والحل المنشود
في كل ما ذكرت سابقا لا أنفي نهائيا حق أي مجموعة إنسانية في تقرير مصيرها، ولكن بالواقعية السياسية والثقافية والمجالية، فمصيرنا مشترك جميعا في منطقتنا هذه، وروابطنا أكبر بكثير من أن تتمزق بفعل فاعل، ثم إن مقتضيات العصر تقتضي التوحد والتآزر لا التفرق والتشرذم، أما مسألة الفساد فدائما ما أقول أنه لو عُرض حق تقرير المصير على الأحياء الهامشية للمدن الكبرى والمناطق المنسية، لقررت الانفصال مباشرة، ولو عُرض الاستفتاء على الشباب ليختاروا بين الوطن والهجرة، لكان اختيار الهجرة يكتسح أرقام النتائج وتفوق على أرقام نجاح الرؤساء العرب، فهل هذا هو الحل ؟ هل نحتاج دائما إلى الهروب من مواجهة الفسدة وإلى التشرذم وبتر الأعضاء لمعالجة كل مرض؟
إنها عقلية انهزامية هروبية تسمح للفسدة بالتكاثر والتغول، والحل من وجهة نظري يكمن في الانعتاق من هذه العقلية، وخوض غمار الصراع، والتدافع السياسي الإصلاحي، والتخلص من التصورات الطوباوية، تحت شعار ” العب إلى باغي تلعب”.
مقال رائع ومفصل عن قضية بالغة الأهمية وأعجبني تناولك بسخرية لاذعة لآراء المعارضين العدميين الذين فقدو التوجه والبوصلة وكان وصف “الكؤبانية” في حقهم في محله 👌
شكرا على تعليقك.
فعلا لقد فقدوا البوصلة 😅
مقالة حكيمة جدا. وفقك الله أخي 🇲🇦🇲🇦🇲🇦
مقالة رااائعة جدا
شكرا على تقديرك