أيوب رديل
Ayoub Radil
باحث ومدون مغربي
أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد
لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً
كلمات مفتاحية ذات صلة
الرئيسية | أفكار متمردة | تأملات | أمواج الغوغائية
ما أصعب التعاطي مع المواضيع التي يكون مدّها عالياً عند الغوغاء، فهيجان الموج العاطفي يكون هادرا وقويا، ولابد من انتظار جزْرٍ هادئ تستحضر فيه العقول ويرسو التحليل وتستقر النفوس، هذا هو المبتغى دائما، خصوصا إذا كانت المشتركات كثيرة وكبيرة، ومجالها يتجاوز المصالح الشخصية والمرامي الشخصانية.
ولكن هيهات، فالمؤجِّجُون “شعَّالوا العوافي” صابُّوا الزيت على النيران لا يتركون هذه الفرصة لتمرّ، بل يشتغلون ليلا نهارا لإعادة التأجيج كلما خبت الحملة، وكأنهم ينضغطون لتوليد حقل مغناطيسي موازٍ لتأثير القمر، فيعيدون المد العالي ويولدون الأمواج الزائفة، إنهم يعلمون علم اليقين أن لا مكان لهم ولا صوت مسموع عندهم إذا ما هدأ الوضع واستثبت العقلانية.
ولا يظنَّ ظانٌّ أن هذا خاص بجهة دون أخرى من جهات المشهد العمومي، بل هو في كل الفئات، لأن الحكماء أخلوا الساحة أو انقرضوا للأسف، وصوت العقل ليس له قيمة في سوق الغوغائية، فلذلك أنصح نفسي وأي ملتقط للإشارة، بأن يضع قواعد خاصة به صارمة ومحددة، لا تتأثر ولا تخضع للتقلبات الجوية، وأهمها أن يضع ناقوس خطرٍ يدق كلما أحس بضجيج غوغائي في أي موضوع وفي أي مجال، ليتنبه ذاتيا ويخلق فارقا وتباعدا بينه وبين الغوغائية، كأنه حسّاس استشعاري يلتقط ذبذبات أمواج الغوغائية، فيتفعل تلقائيا، لينقله إلى مسافة آمنة، وذلك لإيجاد سبيل يمكّنه من أخذ خطوات إلى مكان أشبه بالحياد العاطفي، ولا أدعو هنا إلى التخلي عن المواقف، وإنما إلى النأي بهذه المواقف عن اللوثة العاطفية الآنية، وأمثل سبيل إلى ذلك هو اعتبار موقف الخصم محتملا للصواب، أي أن المرء يحتاج لفهم موقف الآخر بروِيَّة دون استفزاز أو تجييش.
طبعا، بالرغم من مسافة الأمان هذه، سيجد المرء في غالب الأوقات رأيَ وموقفَ خصمه خاطئا، لكنه على الأقل سيعود إلى نفس النقطة التي انطلق منها، أي سيتهذب رأيه وسيرى مكامن قوة الرأي المقابل على حقيقتها، وقد يفهم أيضا المنطلقات وراءها، كما أنه سيتعاطى مع انتقادات خصمه بيقظة عقلية أكبر وانفعال عاطفي أقل، لأنه سيفهم لماذا يصفف خصمه من قدح أو تجريح، وحتما سيجد أنه تخلى عن عصبيته بشكل أوضح، خصوصا عندما يسمع هذه التوصيفات مرة أخرى، فهو قد علم الأسباب وراءها، ومنها إما أن يصوغ مبررات عقلانية تجعله يدافع عن هذا التوصيف لأنه يراه منطقيا أو له تأصيلات ومسوغات، وإما أنه سيقف موقفا يُبعده عن التوصيف بعد أن يكون قد وجده فعلا من النواقص وأن خصمه محق، وعليه أن يسحب هذا السلاح من خصمه وينفيه عن نفسه وعن توجهاته.
ويبقى الإشكال مطروحا، لماذا لا يرى أغلب المتصدرين لساح الوغى النقاشي والتأثير هذا الوضع، ولا يرون بوضوح أن الحلول ليست في طرف دون الآخر، بل الحلول في معظم الأحيان تكون بناء على توافق يجمع أفضل ما يقدمه كل الأطراف، حيث يكمل بعضها نواقص بعض، أو على الأقل لا يتم إقصاء جهة دون جهة أو صوت دون صوت.
لكن للأسف، ركوب الأمواج صار رياضة شعبية، مزيحا من هذه المكانة كرة القدم، والتي تحولت بدورها إلى إشكالية عدمية لدى الأغلبية، لأن الكل يريد التسجيل في مرمى الآخر، والجميع يحاول إعلاء كعبه في ترتيب التأجيج وليس التهديف مع كل انطلاق صافرة المعترك الغوغائي.
ويبقى الأمل قائما دائما في قدرة العقل على دحض ما سواه، وإلجام الغوغائية، وتحقيق ظروف الروح الرياضية، بعيدا عن هدير أمواج التناطح العاطفي، بشرط أن تتحقق العتبة اللازمة من دعاة الحكمة والعقلانية في كل الأطراف وجميع الفئات والميادين.
فالعقل لا ينتصر بالصراخ والتأجيج، بل بالقدرة على الصمت والتعقُّل حين تعلو الأمواج.
تبارك الله عليك سي ايوب. العقل لا يحتاج أن يصرخ ليُسمع، يكفي أن يهدأ ليفهم.
أهلا عزيزي وبارك الله فيك
ماشاء الله, وفقك الله ورزقك علما نافعا يا رب. كل ما قلته في الصميم.
شكرا لك
اللهم آمين
دائما تبهرني بأسلوبك المبدع في التطرق للمواضيع التي تظهر مدى جدارة عقلك في التحليل, تستحق 100000000 نجمة.
شكرا لك على هذا الإطراء
“وضعت أصبعك على الجرح وكان الأصبع مالحا” عبارة مرت علي ورأيت أنها تليق كوصف لما قدمته في هذا المقال. أظن أن مشكلة عقل الإنسان هو الخوف من المجهول أو المعقد لذلك يميل بطبعه إلى كل ماهو سطحي ويظهر أنه بديهي وواضح والغوغائية تعزف على هذا الوتر وهو السطحية التي تداعب المتلقي وتشعره بالذكاء الوهمي ولعل مقال “تسطيح الوعي” قد تطرق لهذه الظاهرة بعمق.
مقال رائع 👌
فعلا السطحية وركوب موجة ما يقوله الجميع حتى لو أدى ذلك إلى العصبية إشعال النار في الجميع، وهذا ما أريد أن أنبه عليه