تخطى إلى المحتوى
كيف يُصنع قرار الحرب في واشنطن؟ قراءة في لحظة أمريكية متوترة، حيث يتصارع ضغط اللوبيات مع فضائح الابتزاز وغليان الشارع، بينما يقترب الشرق الأوسط من حافة تصعيد كبير.
ترامب كدمية بخيوط تحركها يد تحمل علم إسرائيل، وخلفه موجة احتجاجات وجزيرة مظلمة ترمز لابتزاز الملفات وصنع قرار الحرب
Facebook
X
Pinterest
WhatsApp
Telegram
Email
Print

كيف يُصنع قرار الحرب في واشنطن؟

من المفارقات الغريبة أن يصادف القرار الأمريكي الأكبر ربما منذ عقود، وهو خوض حرب ضد إيران، غليانا شعبيا ترافقه صحوة عارمة عند القواعد الأمريكية على الضفتين السياسيتين، سواء لدى الجمهوريين أو الديمقراطيين، حيث صار هناك إجماع على أن المصالح الإسرائيلية الصهيونية هي من تتحكم في القرار الأمريكي.

هذه المفارقة، تجعل الإدارة الترامبية تترنح بين الأسياد الصهاينة، أولياء نعمة أغلب السياسيين من الحزبين أو ما يطلق عليه Unit party، وذراعها AIPAC والمانحين من الصهاينة الكبار، وبين القاعدة الشبابية التي يقودها مؤثرون ينتمون لليمين ولليسار بكافة أطيافهم وتلاوينهم، كما لا يفوتنا في هذا المشهد ما حصل للقائد السياسي الشاب شارلي كيرك الذي تم اغتياله مؤخرا، والذي كان ينتمي للتيار المتصهين خارجيا رغم مواقفه المحافظة والوطنية داخليا مع تيار أمريكا أولا، والذي كان صوته مؤثرا بشكل كبير جدا بين الشباب المحافظ الأمريكي، بل وحتى الليبرالي الوسطي، هذا الاغتيال المشبوه الذي أثار التساؤلات بشدة، وأطلق العنان للتحقيقات والبحث المعمق، والذي خلص إلى عدة مساراة منها الرسمي الغامض، ومنها أن أقل ما يمكن أن يقال عن الحادث أنه اغتيال مدبر وأن السبب الأظهر هي مواقف شارلي الأخيرة من الجرائم الصهيونية في غزة، ودليلهم هي الصراعات مع المانحين الذين سحبوا دعمهم المالي له بسبب تغير موقفه من جرائم الجيش الصهيوني.


إذن وفي ظل هذا المشهد على مستوى القاعدة الشعبية، التي تأججت بسبب الوحشية التي مورست على أهلنا في قطاع غزة وكل من ساندها في لبنان واليمن، حدثت صدمة أخرى أفاضت الكأس، وهي الإفراج عن وثائق إبستين، التي كانت فضيحة مدوية بكل ما للكلمة من معنى، والسبب في هذا الإفراج هو الضغط الشعبي أولا، وثانيا قد تكون حسب العديد من الآراء تضحية من السادة الكبار لمنح الشعب الأمريكي شيئا يلتهي به ويفككه، ليحاول كشف ما تم حذفه أو تظليله وتعتيمه ليربط خيوط المؤامرة، وهناك طرح آخر وهو أن اللوبي الصهيوني الأمريكي قام بهذا الضغط لخروج هذه الوثائق، لأنه لم يمنع أو يضغط بعدم إصدارها بل من المقربين من الصهاينة من ساندة حملة خروج الوثائق للعلن، واعتبر أصحاب هذا التحليل أنه مناورة وضغط على القيادة الأمريكية بكل تلاوينها السياسية، فيما قد نعتبره ابتزازا بعنوان: فضائحكم كلها معنا فإما أن تطبقوا ما نملي عليكم أو سننشر فضائحكم المخفية.

هذه العربدة الصهيونية، خصوصا بعد أن ظهرت بعض الشائعات تروج أن صاحب الجزيرة المشؤومة مازال حيا ويعيش في تل أبيب، تؤكد أن الصهاينة لا يهمهم بقاء أمريكا من أساسها، فلا يعتبرون الشعب الأمريكي إلا كباقي الشعوب من الغويم او الأميين -بوصفنا الديني-، وأنهم مستعدون لأخذ أمريكا بكاملها إلى هاوية حرب عالمية مدمرة ليتخلصوا منها كقوة عظمى مهيمنة ويجرحوا كبرياءها، دون أي اعتبار لرأي الشعب أو لسمعة البيادق السياسية، فيضربون بها المنطقة كلها حولهم، بتدمير الخليج العربي ودوله التي بدأت تشكل تهديدا استراتيجيا على الكيان، بسبب الاستقرار والصعود الاقتصادي والمكانة العالمية التي بدأت تترسخ، فالكيان يريد أن يكون هو المسيطر الوحيد في المنطقة، بل العالم كما يروج قادته الحاليون وفق رؤاهم العقدية التي لم تعد سرا.

بهذه الصورة ترسم أمامنا مشهدية اللحظة المفصلية في تاريخ أمريكا والعالم، وكيف يُصنع قرار الحرب في واشنطن، إنها لحظة اللاعودة، فإذا ما انطلقت الحرب ضد إيران، ستتأكد الشكوك وتتحول إلى يقين بأن السياسة الأمريكية تصاغ في دهاليز تل أبيب أو من جزيرة مشؤومة كجزيرة إبستين، وسيخوض الشعب الأمريكي رحلة التغيير التي قد تكون دامية وتفكيكية للاتحاد، مما قد يجعل كل حلفاء أمريكا في خطر حقيقي، لأن الضامن الأمريكي سيكون في خطر الانهيار الداخلي أو التفكك على الأقل، وبالتالي فإما أن يضطروا لخوض التغيرات بشكل منفرد وهي أكبر منهم منفردين بالتأكيد، وإما تسليم المقادة للسيد الجديد وهو الصهيوني علانية.

أما على مستوى المنطقة وباقي أقطاب المشهد عالميا، فإن إيران ستحصل مع أي مكتسب ولو بسيط جدا على دافع معنوي سيقلب الموازين، وقد يكون رهان الصين وروسيا على إيران حاسما في كسر هيبة المارد الأمريكي، وأظن شخصيا أن الصهاينة قد يساعدون في هذا، لأن من صالحهم تحطيم أمريكا حاليا، قد يبدو هذا غربيا ولكن هذه النبرة بدأت تلوح من قادة صهاينة يقولون أنهم هم من صنع قوة أمريكا ومستعدون للتخلي عنها، وفي نظري هذا مفهوم، لأنهم أولا سيتخلصون من عبئ الوصاية بسبب تراكم القوة الأمريكي مقابل سيطرتهم على القرار والنفوذ، بمعنى سيصبح القرار والمال والنفوذ أقوى من اللعبة السياسة الأمريكية المعقدة التي يحتاجون فيها للشعب وللمسرحية الشعبية، وثانيا سيخضع كل من يعيش على نمط أمريكا، لأنه إذا لم يفعل، فقد شاهد المصير المنتظر وهو أفظع من مصير المارد الأمريكي، كما أن هناك غاية أخرى هي تحطيم الدول العربية الصاعدة، لأن الثرات الديني الصهيوني وتصورهم عن دولة الميعاد يتقبل وجود إيران بشكل من الأشكال، على أن يكون كرديا أو شيئا من هذا القبيل، أما نهاية العرب المزعجين حتى لو كانوا حلفاء فهو أمر جيد لهم بل هو الأساسي.

طبعا الخيوط متشابكة والمشهد محتدم ومزدحم، لكن هذا التصور الذي طرحته هنا يحاول ربط العديد من المعطيات في طبق واحد، لعله يبدو غير منسجم أو يضرب في مسلمات الكثيرين، لكنه وجهة نظر مطروحة بقوة في النقاشات التحليلية ولدى شرائح متنوعة من صناع الرأي، وهذه مجرد محاولة ربط وتحليل للوصول إلى فهم ولو جزئي لما هو قادم، ولفهم المخاض الذي نحن مقبلين عليه عالميا. وللتحليل بقية.

4.3 3 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
4 تعليقات
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Aria
Aria
ضيف
28 فبراير، 2026 16:37

أعجبني تحليلك

آية
آية
ضيف
28 فبراير، 2026 16:36

ربطك للأحداث جد معقول

Asmaa
Asmaa
ضيف
28 فبراير، 2026 04:02

رؤية جد منطقية

4
0
يسعدنا الاطّلاع على رأيك، لا تتردد في ترك تعليقx