أيوب رديل
Ayoub Radil
باحث ومدون مغربي
أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد
لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً
كلمات مفتاحية ذات صلة
الرئيسية | أفكار متمردة | تأملات | البؤس الطوعي
كثيرا ما يثار التساؤل حول حال مجتمعاتنا مقارنة بالمجتمعات المتطورة، وتُطرح في ذلك أفكار وتحليلات عدة، ولكن بنظرة تأملية عميقة ترى وكأن اللعنة اختارت هذه الجهة، وتفصلت تفصيلا على مقاسها مقتفية أثرها حدودها الجغرافية، بل تتبعها وتحلّ حتى على التجمعات والجاليات داخل المجتمعات المتطورة.
لهذا الوضع عدة زوايا يُنظر منها ويتم تناوله من خلالها، غير أني أريد التعاطي معه هنا من جهة قلما يتجرأ المرء على طرحها، فالبؤس عندنا متجذر على نحو معقد جدا، لدرجة أنه صار متغلغلا في وعينا ولا وعينا، ونحن ننتجه كمجتمعات بشكل متكرر، يضاهي في هذا مسألة الاستبداد.
إن البؤس تحول إلى عقيدة تراكمية، وأول علاماته هو شخصنته، فالبؤس عندنا له مسبب واحد، هو شخص معين، على المستوى الجمعي قد يكون حاكما أو ظالما، وعلى المستوى الفردي أيضا هو شخص ما بعينه، وهذا بالضبط عرَض الاختيارية في البؤس، فنحن لم نتعلم رؤية الأمور بأفق أوسع ولا بشكل أكثر تجريدا وتعقيدا، أو على الأقل وجود أسباب وعوامل متعددة لكل مسألة مهما صغُرت أو كبُرت.
لقد ترسخت هذه العقيدة في التكوين الذهني والثقافي، فلا حدود لمكتوب الله ولا معالم واضحة للتكليف ولا هوامش معلومة للمسؤولية الفردية، كلها مُبهماتٌ نلصق عليها بؤسنا، لدرجة أنه عبر معظم تاريخنا يُواجَه كل من ينبهنا إلى مكامن الخلل والعوامل المولدة للبؤس، بل نمقته ونكرهه، لأنه يريد أن يحرمنا من لذة إبراء الذمة من المسؤولية والتكليف، فتقبل الظلم أهون من مناهضته، واستمراء الذل أسهل من انتفاض العزة، وتعطيل العقل أيسر من إعماله كمناط للتكليف.
صرنا نجد لكل نغمة بائسة موّالا لتغنى بها، ونجمّل دناءة مصائرنا مهما كانت النتائج مؤلمة، فمن تحوير سياق جلد الظهر إلى تقبُّل التبعية للغرب، كلها وجدت مبرّرات جاهزة وناجزة، بل الأنكى من ذلك كله هم الذين يتصدون لتحليل الوضع ويدّعون النهضوية، فهؤلاء مواويلهم أكثر شجنا وبكائية، وتؤدي دائما مفعولا عكسيا، بل تزيد من بؤسنا أكثر فأكثر، إنما تزيد تنميقه وتحديثه وتحيينه، والواقع يشهد على هذا.
لقد تحول الخروج من البؤس إلى هاجس يخشاه الجميع، لأن مفاهيم التفوق تشقلبت، فالأكثر بؤسا هو الأكثر أخلاقية، ووسام الشرف هو الدخول إلى مستنقع البؤس، وصارت الألسن عوض اللهج بذكر الله تلهج بذكر “السكوت” و”حدر الرأس” و”المكتوب ما منه هروب”…، طبعا والإجماع الوحيد الذي يتجسد عبر التاريخ هو “الإجماع الانبطاحي”، فتحولنا من ظواهر صوتية إلى ظواهر ظلية خيالية، فالظل يختار دائما معاكسة النور والتموضع تحت كل الأمور.
يحق لكل قائل نعت ما ذكرت هنا بنا يشاء، فأولا الموضوع ذاته يولد حساسية ذهنية تهيجية، والجميع يريد دفع هذا الواقع عنه ونفي انبطاحه المتوارث، فيرفض وجوده أصلا، أما ثانيا فلأن التاريخ يؤكد رفض ولفظ كل من تطرق لهذا الواقع، وهذا هو مكمن الداء، أما الدواء فهو صعب المنال، لكنه ليس بالمستحيل، إذ أنه يقتضي الرجوع إلى النقط المضيئة في تواريخ مجتمعاتنا والتصالح معها، علّ وعسى ندرك علاجا يطببنا من داء البؤس الطوعي.
مقالة رائعة كالعادة
شكرا لك 💛
الكلام عن هذا الموضوع بالذات شيء كنت أتعطش له. لاحظت تفشي البؤس في وجوه الناس من أمتنا كثيرا في الآونة الأخيرة. التقطتم جوهر ما يدور في ذهني بدقّة لم أستطع الوصول إليها. قراءة مقالاتك تشفي شيئا في داخلي فليس الجميع قادر على صياغة مواضيع مثل هذه ببراعتك.
هذا من دواعي سروي أن أصل إلى الأفكار الشاردة وأناقشها
في انتظار المقالة القادمة
إن شاء الله أكون قدر التطلعات 🧡
فكر جميل، فعلا هذا البؤس الذي نعيشه أصبح إدمانا ذهنيا
تماما بل صار من لا يبتئس هو المخطئ 😅