أيوب رديل
Ayoub Radil
باحث ومدون مغربي
أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد
لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً
كلمات مفتاحية ذات صلة
الرئيسية | أفكار متمردة | تأملات | فن التسمكن
قد أظلم السمكة معي في هذا المقال والسمك كله في هذا الاشتقاق، ولكن جرى المثال باستنقاص ذاكرة السمكة، وعليه سأجري في أسطري هذه كمسلمة بديهية، فالكثيرون تبنوا مذهب التسمكن دون إعلان مسبق، صار من يذكر ويربط يعيش حياة عزلة ونبذ من الجميع، فالإجماع هو أن نقول شيئا ونقرره مبدأ حياة ثم نطبق غيره، وويل لمن يتذكر.
وليس من أدل على هذا ما يعيشه جيل معين له قواسم مشتركة عابرة للأزمنة، بحيث لا يصنف جيلا بالأقران بقدر ما يصنف جيلا بما تعرض له من نفس المعطيات، فكم تقرر أن الصداقة هي الكنز وعاهدنا روميو على ألا ننسى ألفريدو، وحملنا معنا ذكرى عماد مع شامل، وحاولنا إتمام ما بدأه ألكسندر مع ماوكلي وانتصرنا على شيريخان، وساعدنا روبن هود ضد ظلم اللورد ألواين.
لنجد بعد كل هذا أن من لقنونا مثل هذه المبادئ حتى في الواقع، باحترام الكبار وعدم حلق الشعر بالقزع، وأن التلفاز سلاح الدجال والإنترنت هي الجساسة، والحذر من كل ما هو غربي، والاضطهاد لكل من أطال النظر في شاشة حاسوب، وجدناهم فجأة غيروا الفريق وانتفى من القاموس مصطلح العولمة والتحذير منها، لدرجة أن منا من كان يظن العولمة شيء مشابه لأحداث يوم الحشر، فصاروا هم دعاة التحرر والارتماء في أحضان الترندات ودعم كل من يسترخص وجهه ليشتهر، بعدما كنا نكيل جنبا إلى جنب معهم اللعن والقدح لمشهورين شرفاء بل أولياء الله بالمعايير الجديدة، وتحول كل حراك مدعوم غربيا وبوسائل عولمية، ومن منظمات أقل ما يقال عنها أنها مشبوهة، إلى حراك الخلاص والتأييد الإلهي، وأموال المنظمات الغربية المتصهينة صارت دعما تحفه الملائكة وتحضر جبرائيل في الرؤى، والأخلاق مجرد إشاعة قديمة لا تركب بك موجة التراند.
صارت الحشمة غباء ونكارة وعزلة اجتماعية، وعدم حب الظهور من خصلة إلى مذمة، والرياء واجبا بعد أن كان كبيرة من الكبائر، وعوض طمس المواهب واحتقارها تحت ذرائع شتى، صار اتباع الميولات الذهنية بل حتى الجنسية منها مجرد أمر لابد منه، فمن كان يقطع التيار الكهربائي لتنطفئ الأجهزة والشاشات وينام الجميع، صار يلصق هاتفه على وجهه ليلا نهارا، ومن علمنا المبادئ صار ينفر إذا ما ذكرته بها، بل يتهمك بالتعقد والجنون، ولقد صار الوفاء ذلا والإخلاص غشامة، وإرضاء الوالدين حمرنة، أما لدخول إلى إلى المجال المدروس من مقدماته مجرد تخلف، والضبط حذلقة تافهة، لأن الغش والتفيهق هو الاجتهاد والذكاء.
بهذا تحولت التفاهة إلى نباهة والفضيحة إلى فضيلة، والرب المعبود هو الدولار والمحراب هو البورصة، أما الديانة فهي الترند، والقدوة هي السمكة، ما لم تقل أنا سمكة فأنت فاسد العقيدة، مستباح الإقصاء وحكمك التغريب، لأن المذهب هو نسيان بدايات التافه والسفيه وأخذ المواعظ منه بعد أن يتجمل بعمليات تصغير الأنف وتكبير أشياء أخرى..
المشكل أن كل هذا حصل ولم يكن هناك علامات أو مؤشرات عليه بهذا الشكل الراديكالي، فمن كان يكسر التلفاز الملعون يتحول إلى بستاني يقطف الورود التكتوكية، ومن دعانا إلى قراءة موسوعة الأطلس صار يصيد أسود أطلس الداعمين، ومن حثنا على التضلع في المجالات التي نختارها تحول إلى جوال رحال بين كل ما صعدت به رياح التراندات وحيثما أخذته سفينة البوز..
أعذرونا ! فيبدو أن نفاقكم كان واضحا ولم نستطع إدراكه، والظاهر أن المشكل فينا نحن الذين لم نستطع الخضوع لنظرية تطوركم المعكوس ولم نتحول إلى سمكة، مازلنا نتذكر كل ما قلتموه، وكل العهود التي قطعناها مع شخصيات الكرتون، ونتذكر المبادئ التي كذبتم علينا بها لتطمسوا عقولنا وتوصلوا أبناءكم بغيرها، إلا أننا نعتذر منكم، فتلك المبادئ كانت أجمل من أن نتركها ونتسمكن معكم كالسمك بدون ذاكرة، ومازلنا نعتبر تلك العهود أوثق من خيانتكم وتفاهتكم، فإنا على العهد ماضون.
جميل جدا
مقال مؤثر ورائع كالعادة 🤍
شكرا
على العهد ماضون 😭🫶🏼
على العهد
مقال رائع فيه حنين للماضي وحزن على مبادئ كانت راسخة وتم الإنسلاخ منها بلا حياء لعلنا فعلا في آخر الزمن حتى الشيوخ والمسنين الذين كانو رمزا للمحافظة والإلتزام أصبح يسأل الواحد منهم عن رمز الوايفاي قبل أن يسأل عن اتجاه القبلة أو عن أقرب مسجد حتى وهم في رحاب المسجد الحرام لأداء العمرة أو الحج
هذا هو الوضع فعلا
إنا على العهد ماضون
إنا على العهد