أيوب رديل
Ayoub Radil
باحث ومدون مغربي
أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد
لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً
كلمات مفتاحية ذات صلة
الرئيسية | أفكار متمردة | تأملات | المواقف “المصكوكة”: هل تملك رأياً حقاً أم تتبع “الراعي”؟
إن الأحداث العالمية التي تغلي بالحروب والاضطرابات، تجعلنا نقف على مظاهر كثيرة لتجليات هذه الأحداث، ومن أهمها التفاعل الاجتماعي الذي صار متاحا أكثر فأكثر مع تطور وسائل التواصل الاجتماعية، ووصولها إلى درجة القوة في التأثير والاستقطاب كل سنة هي أكثر من التي قبلها، لكن يختلف هذا التأثير وشكل الاستقطاب حسب نوع المجتمعات، فمن الواضح جليا أن وسائل التواصل تعبر عن مختلجات المجتمعات، أو على الأقل هذا ما أتبناه، على عكس من يرى أن التوجيه مطلق وأن المجتمعات يتم قيادة وعيها عبر هذه الوسائل، فالواقع يؤكد أن هذا التوجيه مجرد جزء من المشهد، أو من إمكانيات هذه الوسائل وليس هو كل ما تقوم به، فالتوجيه يحتاج إلى العمل عليه بشكل مكثف، وإلى إنفاق أموال طائلة، واستغراق مدة طويلة حسب الغرض المنشود، أما الغالب فهو أن “حقيقة المجتمعات” تطفو على سطح المشهد الرقمي، نتيجة تسليط التركيز عليها، وبالتالي يكون مجرد عامل لرؤيتها بشكل أضخم أو أوضح، أما وجودها فمتغلغل وسابق.
وهنا أريد التركيز على مسألة حساسة جدا، أتمنى أن تُفهم بشكل سليم دون تأويلات، وهي مسألة “المزايدات في التماهي مع الخطابات”، وكي أوضح أكثر أعطي نموذجا، عندما نكون أمام سردية معينة لأحداث جارية، ينطلق الفرد في مجتمعاتنا في التماهي مع هذه السردية بشكل مفرط للغاية، طبعا من حقه أن يختار موقفه، لكن ما يحصل حقا هو أنه يتحول إلى التماهي المائع مع هذه السردية، بينما نجد العكس في مجتمعات أخرى، وبما أن المناسبة شرط فلنقل المجتمع الأمريكي، حيث يوجد فعلا استقطاب حاد في السرديات، ومواقف متقابلة ومتضادة بشكل راديكالي أحيانا، إلا أن هذا لا يجعلهم يتماهون تماما مع السردية والموقف، فلا تجدهم يذوبون بذواتهم معه ويتقمصون كل تفاصيله، بل يمقتون تلقائيا هذه الطريقة، ويعتبرونها سلوكا منبوذا في السياسة أو الحياة العامة، عكس مجتمعاتنا التي تجد فيها الموقف الفردي نادرا، إن لم يكن شبه معدوم، والمواقف شبه مصكوكة لا فرادة ولا تركيب ولا هوية فيها، وكأن المواقف تُتخذ بشكل جماعي قطعاني عجيب، وهذا يطال الجميع، فالأطراف المتصارعة أو المتناقشة كلها تشتغل بهذه الآلية.
طبعا هذا الأمر متغلغل في مجتمعاتنا حيث يقل منسوب الفردية بشكل كبير، ويطغى التماهي وسيولة الذوات، لدرجة أن الفردية واتخاذ المواقف المُركبة يُحارب بشكل واضح وصريح، بداية من المدارس والبيوت وفي الشارع على حد السواء، وقد تناولت هذا في مقالات أخرى، بينما نعلم جيدا أن منسوب الفردانية عال في مجتمعات غربية كثيرة، طبعا على اختلاف هذا المنسوب من مجتمع لآخر، إلا أن الفردية تبقى السمة الأساسية التي يصرح نخب هذه المجتمعات بها.
فمثلا نشاهد كيف يكون الاختلاف بين أنصار الطرح الواحد، فلا تنطفئ ذواتهم مع المجموع، بل أحيانا قد نجد طرفين متصارعين على طول الخط وتوجد بينهم اتفاقات على مستوى بعض النقاط، لأن الصراع لا يعني التنافر التام، والاتفاق لا يعني التماهي التام، وهناك التزامات يفرضونها على أنفسهم، أو على الأقل يلتزمون بها عن وعي على طول الطريق، فيحاسبون بعضهم البعض وفق تلك المقدمات المبادئية التي قرروا وأجمعوا على الالتزام بها، بينما المبادئ عندنا تداس مع أول انعطافة للقطيع، فلا يتخلف منه أحد عن الانعطاف حتى ولو كان باتجاه جرف مميت، وكأنه إذا ما عثر الراعي أو ضل الطريق فذاك دين مقدس يجب اتباعه دون أي نقد أو مناقشة.
هذه الحالة تدعو للتأمل بشكل جدّي، فالوسائل المعلوماتية والتواصلية كثيرة جدا، ولم تهذب هذه السلوكات الجمعية، لأن الوسيلة المتطورة وحدها لا تكفي أبدا مادامت العقول لم يتم تروبضها وتولي زمام مسؤوليتها، فلكي يتحول العقل من مجرد متلق إلى قادر على التحليل، يحتاج إلى تأطير وإلى نماذج، وأول خطوة في هذا تأتي بالملاحظة والتشخيص، فملاحظة هذا الخلل الجماعي هي أهم منطلق، ودور أفراد ما يمكن تسميتهم بالنخبة أساسي وحاسم، فعوض الخطاب التهييجي العاطفي، ينبغي أن يُعوض بخطاب تحليلي نقدي، قابل هو أيضا للنقد وغير مبني على الكليشيهات، ولا يحتقر عقل العموم أو الجمهور، هذا أمر صعب صراحة، خصوصا عندما تجد أفراد نخبتنا والتي لديها إمكانيات الاحتكاك بالمجتمعات ذات منسوب الفردانية العالي، هم أنفسهم يمارسون الدمغجة والتجييش في حنين إلى دفء القطيع، فيضرون أكثر مما ينفعون، ويبعدون إمكانية الترقي أو الخلاص أبعد فأبعد.