أيوب رديل
Ayoub Radil
باحث ومدون مغربي
أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد
لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً
كلمات مفتاحية ذات صلة
الرئيسية | مقالات | فكر وسياسة | عقيدة الاغتيال عند الصهاينة
فلسفة الاغتيال عند الصهاينة
«إن الاغيتيال له دور فعال على النفسية والمعنويات إضافة إلى تأثيره الفعلي، فلا يوجد كثيرون كانوا قادرين على خلافة نابوليون أو تشرتشل أو روزفيلت، صحيح أن أي شخص يمكن استبداله لكن هناك فرق بين بديل يملك الشجاعة وشخص بلا روح» — مئير داغان (أحد رؤساء الموساد السابقين)

Uriel Sinai/Getty Images; Yaakov Saar/GPO/Getty Images; Abir Sultan/Getty Images
الاغتيال كبديل للحرب: رؤية يائير داغان
هذه كلمات داغان الذي يرى أن الاغتيال أكثر أخلاقية من شن حرب شاملة، فهل هذا المبرر حقيقي أم أنه مجرد وسيلة ليبرر تاريخ الاغتيالات الذي انبنت عليه عقائد المؤسسات الأمنية الإسرائيلية؟، وللإشارة فإن هذا الاعتقاد جعله يستقيل من منصبه في صراع من رئيس وزراء الكيان وقتها بن يامين نتنياهو، حين أبلغ CIA بمخططات نتنياهو بضرب إيران، ليتدخل حينها رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما وأوقف هذا التصعيد وحذر نتنياهو من الإقدام على مثل هذا الفعل.
اغتيال علماء إيران وتعطيل المشروع النووي
وفي تعليقه على مشروع إيران النووي، وهو من كان مكلفا بإفشاله، يرى مئير داغان أن طريقته كانت أنجع في منع هذا المشروع، باغتيال علماء إيران، وكذلك منعها من الحصول على قطع الغيار اللازمة من الخارج، وكل هذا بمساعدة أمريكا، وضرب لذلك مثلا بالسيارة قائلا: إن السيارة تحتاج إلى 25000 قطعة غيار، فتخيل أن تنقصك 100 قطعة فقط، لن تستطيع صنعها، وأضاف بأنه أحيانا يكفي أن تغتال سائق السيارة وانتهى الأمر.[1]
التلاعب بالمصطلحات: من الاغتيال إلى “التصفية” والقتل المستهدف
إن عمليات الاغتيال متعارفة بين بين أجهزة المخابرات ولكن سمعتها سيئة، لأنها طريقة العصابات والمجرمين في التخلص من الخصوم، وليست طريقة المؤسسات التي تخضع للقوانين، وهناك أبعاد من التحايل في هذا الأمر، أولا إعلاميا وعلى مستوى الخطاب، حيت يتم تلطيف الأمر بإطلاق اسم (Liquidation) “التصفية“، أما للتحايل القانوني فإن وكالات الاستخبار الأمريكية مثلا تسميها “القتل المستهدف” (Targeted killing) أو عمليات خاصة، بينما لا نجد مثل هذا عند أجهزة الكيان الأمنية، حيث أن الاغتيالات كلها تحصل بموافقة رئيس الكيان ولا يحتاجون لأي تبرير قانوني لذلك.
تفوق إسرائيل في سجل الاغتيالات الدولية
منذ الحرب العالمية الثانية قام الكيان باغتيالات أكثر من أي دولة غربية، وهم ينسبون أنفسهم لمنظومة الدول الغربية، وأنهم ليسوا مثل الدول الاستبدادية المتخلفة المحيطة بهم على حد زعمهم. وفي الكثير من الحالات برر قادة الاحتلال قتل المدنيين الأبرياء، في سبيل قتل شخص واحد، إذا تواجد هؤلاء في مجال النيران، وأنه الشر الذي لابد منه.
يقول الجنرال مايكل هايدن أحد رؤساء CIA وNSA سابقا: ما يجعل حرب إسرائيل على الإرهاب (كما يسميه) أنجح نموذج من بين كل الدول الغربية، هو الاغتيالات التي أنقذت إسرائيل من أزمات كبيرة جدا.
ترجع جذور استراتيجية الاغتيالات الدموية هذه إلى بدايات الحركة الصهيونية في أراضي فلسطين، وهم يتفاخرون ويتلقون المديح على هذه الأفعال.
كان الموساد يهدف إلى إيصال هذه الرسالة مع كل اغتيال:
إذا كنتَ عدوا لإسرائيل فسنجدك ونقتلك أينما كنت.
ولكن هذه الرسائل واجهت مفعولا عكسيا، خصوصا عند اغتيال أحد القياديين من حماس في دبي، حيث كانت العملية ساذجة بشكل هزلي لا يرقى للسمعة التي روجت لها المخابرات الإسرائيلية عن نفسها، فقد كانت بوصف الخبراء تافهة وكلها أخطاء مخابراتية، مما جعل الموساد أضحوكة عالمية.
فضيحة اغتيال محمود المبحوح في دبي

بتاريخ 30 يناير 2010 في دبي، وبالضبط داخل غرفة فندق البستان روتانا، المستهدف كان محمود المبحوح المسؤول عن التنسيق لتسليح الحركة، وخاصة تهريب الأسلحة من إيران إلى غزة، دخل المنفذون إلى غرفة المبحوح مستغلين غيابه، ومن المحتمل أنهم وضعوا جهازًا يعطّل قفل الباب الإلكتروني، عندما عاد إلى الغرفة، هوجم وتم تخديره وخنقه بطريقة جعلت الوفاة تبدو طبيعية في البداية.
الشرطة في دبي بقيادة الفريق ضاحي خلفان أجرت تحقيقًا واسعًا فكُشِفت العملية وعُرف أسماء المشتبه بهم، الشيء الذي سبّب إحراجًا دوليًا كبيرًا لإسرائيل، رغم أنها لم تؤكد رسميًا مسؤوليتها. ومن الاخطاء أن الفريق المنفذ للاغتيال، والذي بلغ 25 عنصرا، لم ينتبهوا لعدد كامرات المراقبة الكبير في دبي، كما أنهم استعملوا نفس جوازات السفر التي دخلوا بها، ومن البديهيات الاستخبارتية تغييرها عند الخروج، فأدى هذا إلى أن تثير عملية اغتيال المبحوح أزمة دبلوماسية عالمية، بسبب استخدام جوازات سفر مزورة لدول غربية، مما اضطر بعض الدول لاستدعاء السفراء الإسرائيليين والاحتجاج عليهم. [2]
الموساد: قرار الاغتيال ومسار الترقي داخل الكيان
من المهم التذكير أن عمليات الاغتيال هذه يوافق عليها مباشرة رئيس وزراء الكيان، كونه المخول الوحيد لإعطاء الضوء الأخضر للتنفيذ، وأيضا للمعلومات فأغلب عناصر الموساد يكونون في سن أقل من الثلاثين، بمعدل أعمار 25 سنة، وهي ظاهرة خاصة بالموساد، كما أن هؤلاء العملاء يترقون من بعد ليحتلوا مناصب في الكيان قد تصل إلى رئيس الوزراء، ما يعني أن جهاز الموساد وسيلة ترقي في المناصب والمسؤوليات، وهكذا يصبح القتلة قادة في الكيان، ويكرسون عقلية الاغتيال الدموية الإجرامية.
ولنعُد إلى ما قبل إعلان قيام الكيان بالضبط 29-09- 1944 في مدينة القدس، حيث يصف العميل شمرون عمليةً قام بها مع زميله باناي الملقب بـ “مازال”، وهي عملية اغتيال ضابط الانتداب البريطاني ويلكين Thomas James Wilkin، الذي كان مساعدًا لرئيس قسم التحقيقات الجنائية (CID) في شرطة الانتداب البريطاني بفلسطين، وكان مسؤولًا بالضبط عن الشؤون اليهودية. [3]
كنا مشغولين وجائعين وآخر همنا هو العوائل البريطانية.
وهذا يؤكد تجذر فلسفة استباحة قتل المدنيين دون اكثرات، وهنا نرى أن أفعالهم مبررة من جهتهم، ولكن عندما تمارس ضدهم فهم يروجون للعكس، عدا عن أن العلاقة البريطانية بهذا الكيان علاقة غريبة ، بل وكأنها نوع من المازوخية بطابع بريطاني تجاه الموساد، خصوصا أثناء الحرب العالمية الثانية بشكل عملي، حيث كانت بريطانيا تمنع رسميا هجرة اليهود غير الشرعية للأراضي الفلسطينية، بينما تستعين بهم في حربها ضد دول المحور، وقبلها تلقي القبض على الإرهابيين الصهاينة في فلسطين، ثم تمنحهم وعد بيلفور المشؤوم. طبعا هذا تسطيح مخل للمشهد المعقد ومتعدد الأطياف للعلاقة البريطانية بالصهاينة، ويمكن إجمال كل هذا بأن بريطانيا كانت تعمل مع الجميع، وتعد الجميع بكل شيء فقط حتى تقضي مصالحها. [4]
جذور عقلية الاغتيال: من الهاشومير إلى الهاغانا
ترجع عقلية الاغتيال كأساس حربي إلى حركة “الهاشومير” والتي تعني “الحرس”، والتي كانت تحرس التجمعات الاستيطانية اليهودية (التي يطلق عليها اسم الييشوف Yishuv) في الأراضي الفلسطينية، حيث كان اليهود يتوافدون بشكل كبير جدا خصوصا من شرق أوروبا، وبالضبط بعد فشل الثورة في روسيا القيصرية سنة 1905. وقد كان بن زيفي مؤسس نواتها حوالي 1917 ثم تحولت سنة 1920 إلى “الهاغانا”، وقد سمحت لها السلطات البريطانية والتي احتلت فلسطين في نفس الوقت أي سنة 1917، بعد أن كانت تابعة للسلطة العثمانية، وقد تعاملوا مع الهاغانا على أنها الجهاز الأمني للييشوف.

الاغتيال داخل المجتمع اليهودي: حادثة دي هان
كان الهاشومير وبعدها الهاغانا من العصابات والتنظيمات المتوحشة والدموية بشكل كبير، ضد العرب والأتراك وحتى البريطانيين كما سبق ذكره، بل طال توحشهم حتى اليهود، خصوصا الحريديم الذين يعارضون عودة اليهود إلى أرض الميعاد قبل أن يأتي المسيح ويعيدهم، ومن أبرز الأمثلة اغتيال يعقوب دي هان الذي كان له تأثير كبير على الرأي العام الغربي، وقد أمر بن زيفي بقتله لهذا السبب الذي أزعجهم، فاغتالوه أمام بيعة synagogue في القدس. [5]

التصعيد: من العصابات الإرهابية إلى مؤسسات الكيان
بعد معارضة بن غوريون، الذي كان زعيما للييشوف، للعديد من الاغتيالات التي طالت شخصيات فلسطينية وبريطانية، منهم الحج أمين الحسيني، قرر مغتالوا يعقوب دي هان وعلى رأسهم أبرهام تاهومي الانشقاق عن الهاغانا، وأسسوا Irgun Zuai Leumi “المنظمة الوطنية العسكرية” أو الأرغون كما تُعرف، وبعدها انشق فرع من الأرغون، ليؤسسوا ليحي Lehi، ذلك لأنهم اعترضوا على قرار مناحيم بيغن عندما أراد الانضمام للبريطانيين في حربهم ضد النازية، حيث كانوا يريدون عدم المشاركة، باعتبار بريطانيا والنازيين كلاهما أعداء، وهاذان الفصيلان انتهجا الاغتيال كوسيلة أساسية ضد العرب بالأساس ثم البريطانيين وأيضا اليهود.
حتى عمليات الاغتيال التي قامت بها مجموعة گيمول Gimul، التي تشكلتها الفرقة اليهودية داخل الجيش البريطاني لملاحقة النازيين وضباط SS لتغتالهم، كانت جرائم اغتيالٍ بشعة، بذريعة أن النازيين كانوا أبشع، ولكن يظهر بعد إغلاق العملية، وكشف السرية عنها، أنه لم تكن أدلتهم كافية ضد من قُتلوا، بل المرجح أنهم اغتالوا أبرياء، والأكثر أنهم كانوا يغتصبون الجثث، ويقولون في شهاداتهم أنهم جعلوا الجثة تبدو كأنها مغتصبة كتمويه ولا يغتصبونها حقا، يالها من حجة تافهة.
ومن النماذج رفائيل إيتان Rafi Eitan ابن يهوديان روس، لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره تم تكليفه باغتيال أحد الألمان الذين يعيشون في فلسطين ويشتبه في تورطهم أو فقط زيارتهم لمعتقل أوشويتز، وقد صار بعدها إيتان أحد أبرز أعمدة الموساد المؤسسين لوحدة الاغتيال.
كما أن بن غوريون تبنى الاغتيالات كجزء لا يتجزأ من منظومة الإرهاب وحرب العصابات، إضافة إلى الحرب الإعلامية والبروباغندا ليحققوا مشروعهم بإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، حيث صارت الاعمال المستنكرة لمجموعة ليحي والأرغون متبناة، بل عقيدة رسمية لمؤسسات الكيان، ورأى بن غوريون أنه بمجرد إعلان قيام الكيان سيهجم عليه العرب، وبالتالي أطلق عملية الزرزور لاغتيال القادة الفلسطينيين أولا.
تفجيرات وفظائع: فندق الملك داود والسفارة البريطانية

تطور الأمر من اغتيالات العرب إلى تفجيرات إرهابية ممنهجة لاستهداف البريطانيين، الذين كانوا يعارضون هجرة اليهود إلى فلسطين، وخاصة الضُّباط المسؤولين بجهاز الأمن، ومنها تفجير الجناح الجنوبي لفندق الملك داود في القدس بوضع 350 كيلوغرام من المتفجرات، وقد راح ضحية هذا التفجير 91 قتيل منهم يهود. وبعده تم تفجير السفارة البريطانية في روما، وفي نفس الوقت قرر إسحاق شامير، زعيم ليحي وقتها، إرسال شابين من عصابته لقتل اللورد موين Moyen الوزير البريطاني المنتدب في القاهرة، وقد كانت العملية فوضوية جدا، حيث ذهب الشابان إلياهو حكيم وإلياهو بيت زيفي إلى أمام منزل اللورد، وانتظراه حتى خرج إلى سيارته مع سكريتيره الشخصي، ثم ذهبا إليه وأطلقا عليه ثلاث رصاصات، وعوض الهرب بسيارة هربا على دراجات هوائية، لتلقي عليهما السلطات المصرية القبض، وبعد ستة أشهر تم إعدامهما. [6]
من الإرهاب الصهيوني إلى صناعة صورة الضحية
كل هذه الأحداث تؤكد أن عقيدة الاغتيال متجذرة في تاريخ الحركة الصهيونية، بداية من فترة العصابات، وحتى بعد إعلان قيام الكيان الصهيوني عندما تشكلت المؤسسات، وهنا يُثار التساؤل عن عقلية الصهاينة، الذين يعرفون أنهم إرهابيون في نظر الجميع وحتى بينهم، فحوّلوا هذه التهمة عنهم بإلصاقها بكل من يقاومهم من أصحاب الأرض، ومن تم خلق أو دعم تنظيمات إرهابية فيما بعد، حتى يظهروا هم بمظهر الملاك الحضاري في بيئة متوحشة، وعندما يُحشرون بالحجج أنهم هم التوحش بعينه، يقلبون الحجة بأنهم يتعاملون مع التوحش المحيط بما يفهمه ويليق به.
وختاما يبقى السؤال: متى يفهم العالم أن من يتبجحون بمحاربة الإرهاب، هم أنفسهم من رسّخوا فلسفة الأرهاب والاحتلال بالكثير من دماء الأبرياء؟
[1] يمكنك الاطلاع على المزيد من التفاصيل من صحيفة Poltico
[2] للمزيد من التفاصيل حول عملية اغتيال الموساد للمبحوح من موقع الجزيرة
[3] للاطلاع على تفاصيل الحادثة بسردية يهودية من صحيفة The Jerusalem Post
[4] كانت بريطانيا على وشك خوض حرب مع الصهاينة لمنعها هجرة مئة ألف يهودي إلى فلسطين TIME
[5] تفاصيل الاغتيال من صحيفة HAARETZ
[6] تقرير عن الحادث بشهادات من عاشوه من الـ BBC
أتطلع بشدة لمقالات أخرى بهذا الوزن وبقلمك الذي يمتاز بجودة لغوية ولذة فكرية متألقة.
إن شاء الله تعالى
هذه ليست مقالة عادية بل بحث مفصل وملقى بشكل راقي يحترم العقل.
شكرا
فعلا إنها بحث أتعبتني
أكثر كيان دولي مارق وغير ملتزم بأدنى المعايير الأخلاقية والقانونية الدولية في التاريخ الحديث هو هذا الكيان الصهيوني وبقائه معتمد بشكل وجودي على القوة المفرطة والوحشية
تماما ولولاها لما تواجد ولولا سماح العالم له بهذا التوحش
أتمنى لك التوفيق والاستمرار
شكرا لك عزيزتي
جودة المنتدى وجودة الفكر وجودة اللغة، أحب زيارة موقعك مع كل مقالة جديدة
أشكرك على هذا التقدير الذي أحترمه وأفتخر به