تخطى إلى المحتوى
Ayoub Radil

أيوب رديل
Ayoub Radil

باحث ومدون مغربي

أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد 

لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً

مكتبتي

لا تحلو القراءة إلا مع مكتبة
مجرب شخصيا
تم تهذيب وتقليم مخالب المثقف الفلسطيني وإغراقه بالمانيكير الثقافي، فامتلأ فوه بالدنانير وخرس عن توصيف المشهد الحقيقي، بل تحول إلى مكواة تعالج الطيات والانكماشات في السردية الصهيونية.
مكواة السردية: الإعلام الخليجي والتطبيع مع إسرائيل
Facebook
X
Pinterest
WhatsApp
Telegram
Email
Print

دور الإعلام في الجريمة دور أساسي ومهم، فتغييب بشاعات وجرائم الصهاينة منذ القديم وعلى الأقل كما كان يُعرض علينا تعذيب وتكسير عظام الشباب والنساء في الانتفاضة ومشاهد من قبيل محمد الدرة… فاليوم ومع سيطرة الإعلام الخليجي إعلام القواعد الأمريكية تم حجب هذه الصورة واستقبال الصهاينة كأنهم طرف في حوار فلسفي جدلي.

وتم تهذيب وتقليم مخالب المثقف الفلسطيني وإغراقه بالمانيكير الثقافي فامتلأ فوه بالدنانير وخرس عن توصيف المشهد الحقيقي، بل تحول إلى مكواة تعالج الطيات والانكماشات في السردية الصهيونية ويلمع فكرة تواؤم الضحية مع الجلاد، هذه الفكرة التي أسس لها رائد المقاومة بالتطبيع والذي حول أوسلو من اتفاق إلى أوسلو 2.0 على مستوى الوعي وزيفها بغطاء القومية والعلمنة والبراغماتية، إنه عراب استقطاب المثقف الفلسطيني لمنح هذا الخطاب شرعية وتعاطفاً، وهو الدكتور عزمي بشارة.

وكي لا أظلم الرجل وحده فالأمر يطال حتى الخطاب الإسلاموي الذي يتغطى بنبرة المقاومة، وعلى رأسهم الدكتور وضاح خنفر، هذا الخطاب الذي من سماته الأساسية الاجتزاء في الطرح وفصل السياقات، علماً أنهم لكسب مشروعية الطرح الإعلامي يقومون بمحاولات أكاديمية لتسويق أنفسهم على أنهم أصحاب الربط التاريخي والضبط الاستراتيجي، طبعاً مع أحاديث من هنا ومع اقتباسات تاريخية من هناك، ولكن الحكم على ما يقدمون يكون بالثمار وليس بالبهرجات.

فالجميع يتبنى القضية ولكن على مستوى التطبيق فالقضية كادت تنتهي قبيل الطوفان، بل بات الجميع مستمرئاً للتطبيع كضرورة براغماتية لا بد منها، إلى درجة تحول فيها من يطالب بحل الدولتين إلى راديكالي متشدد، في انزياح تام لمعالم التصنيف، حيث أن المطالبة بالتحرير صارت كخرافة وأسطورة من يتكلم بها مجرد كائن خارج التاريخ والوعي، وبدأوا يتفننون في طرح أنواع وأشكال التطبيع فمنها الضار ومنها التطبيع خالي الدسم والتطبيع كامل الدسم في “فول منيو”.

كل هذا جرى على غفلة من الجميع، وبتدبير لا يمكن رصده إلا من قلة قليلة حافظت على شهادتها للعصر ولله؛ طبعاً الغالبية تخلت عن هذه الشهادة تحت تأثيرات عدة، منها الثورات التي حصلت وشتتت المواقف وشرذمت الصفوف، التي كانت مشرذمة أصلاً منذ تأسيس الدول الوظيفة، ومفرقة وفق خطوط مسطرة سايكس وبيكو. لكن المتأمل ولو متأخراً، إذا ما وضع أمامه الثلاثين عاماً الأخيرة على الأقل، سيرى الانعطافات الحادة وتغير معالم المشهد، وسيكتشف أن المشهد تغير عن قصد وبفعل فاعل، وقد حصل ذلك بشكل واع وبمكر وخبث، حيث تم تبني خطاب القوميين والإسلامويين، وضربهما في الخلاط عبر سنين من الاتجاهات المعاكسة والشهادات الموجهة على العصر، وبالفيضانات الإخبارية وسيل العواجل، في عملية إغراق وإنهاك للوعي، ليصدّق المرء المتعرض لهذا الاستنزاف العقلي أن التحليل القادم هو الصدق لا محالة.

يعتقد المتلقي المُغرق بعد كل هذا أن التحليل المقدم إليه هو وعيه الخاص، ومنه يشكل موقفه، كما لو أنه توصل إليه بذكائه اللوذعي ومواكبته المستميتة، خصوصا أن هذا الموقف المصنوع صدر عن ملتحٍ إسلاموي، وكذلك صدر بأسلوب مغاير عن قومجي بشنب وربطة عنق، ليجد كلا الطرفين يتوافقان مع بعضهما البعض على الرأي السياسي الذي كان قبيل سنوات محل خلاف ونقاش حاد، وهكذا لا يمكنه حتى أن يفكر في مخالفة هذا الموقف، لأنه محل إجماع ولا يمكن أن يخرج عنه ليحافظ على صورته كإنسان ذكي ومواكب للأحداث.

وهنا أنوه إلى قدرة أصحاب البصيرة على رؤية كل هذا، ودور الإعلام الذي يخدم عكس القضية ويحرف الاتجاهات، لكنهم لازموا الاستمرار في التحذير والتنبيه عليه لسنوات طوال، كما أغبط من كان يتلقى الصورة والقراءة من هؤلاء ويبني وعيه عنهم، وأتمنى أن يستمر حملُ المشعل عنهم، لأن معركة الوعي أشد وأشرس من معارك الميدان، ومن الوفاء لهم أن تستمر المهمة مهما كانت صعبة وقاسية.

5 2 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
0
يسعدنا الاطّلاع على رأيك، لا تتردد في ترك تعليقx