تخطى إلى المحتوى
Ayoub Radil

أيوب رديل
Ayoub Radil

باحث ومدون مغربي

أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد 

لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً

مكتبتي

لا تحلو القراءة إلا مع مكتبة
مجرب شخصيا
رغم تكاثر التعليم والشهادات في العالم العربي بعد الاستقلالات، لا يزال الحضور العربي عالميًا باهتًا ومقترنًا غالبًا بالكوارث والانهيارات. هذه المقالة تحاول مساءلة أزمة النخبة العربية وغياب المشروع الحضاري الجامع بعد فشل القومية واليسار والإسلام السياسي.
صورة رمزية تعبر عن أزمة النخبة العربية بين كثرة الشهادات وغياب المشروع الحضاري، مع مشهد مدن عربية متصدعة وخريجين يواجهون أفقا ضبابيا.
Facebook
X
Pinterest
WhatsApp
Telegram
Email
Print

لقد كثر التعليم، وتكاثرت الشهادات في العالم العربي بعد الاستقلالات، حتى غدا لكل بيت تقريبًا نصيبه من الجامعة والديبلوم واللغة الأجنبية، وتشكل ما يسمى النخبة الفكرية العربية. غير أن السؤال الجارح لا يزال قائمًا: أين أثر كل هذا في العالم؟

فالحضور العربي عالميًا لا يكاد يُسجَّل إلا في الكوارث والحروب والانهيارات، أما في ميادين الفكر والعلم والتقنية وصناعة النموذج، فلم يسجل العرب حضورا إلا على مستوى الترفيه أو الفضائح أو ما هو غير مؤثر في العالم، وإنما مجرد متأثر وخاضع أو ناقل مقتبس في أفضل الحالات خصوصا على المستوى الفكري والعلمي والتقني، فالغالب أننا متأثرون لا مؤثرون، ناقلون لا منشئون، مستهلكون لا منتجون، إلا فيما ندر من حالات شاذة نادرة أو منبوذة محاربة.

إن المجموع العربي – وهنا أقصد المجتمعات التي تنتمي إلى الحضارة العربية والتي تتخاطب رسميا باللغة العربية وتحمل مصيرا حضاريا مشتركا- يعيش حالة من التيه، فحيثما وليت وجهك تجد حالة صراع عميقة قد تصل إلى الجوهر الوجودي، فلا يعرف المرء مع هذا ما الغاية وما الأهداف التي ينشدها كل توجه، حيث تكاد تغيب الطروحات الفكرية الواضحة لدى معظم التوجهات، عكس المجتمعات الغربية مثلا والتي بدورها تخوض صراعات عميقة وأحيانا مدمرة ولكن هذه الصراعات لها أسس وهناك توجهات واضحة ورواد لكل طرح ونقاش على كافة الأصعدة من العميق إلى التافه.

إن المجتمعات العربية لم تعد تعرف هل هي ضمن أُطر قومية أو توجهات اشتراكية أم هي مجرد مستهلك في فلك العالم الصناعي..، وما هي النواظم الجامعة لهذه الأمة والشعوب، فهل الإسلام يكفي جامعا دون خصوصية محددة لهذه الشعوب ذات اللغة والجغرافية المتقاربة؟! أم أن الإسلامات التي يتم الترويج لها تتصارع مع بعضها حتى داخل هذه المجتمعات؟! فنحن لسنا أمام إسلام واحد في المجال السياسي والاجتماعي، بل أمام “إسلامات” متنازعة، لكل منها تأويله ومصلحته وعدوه، ويحضر التساؤل أين تختلف هذه الإسلامات وأين تجتمع؟!.

وأختصر القول لأوضح هذا التصور بأنه بعد إجماع الكل بانتهاء المشروع القومي العروبي، دون أي مراجعات أو نقد حقيقيين، وفشل اليسار العربي الاشتراكي واقعا وتنظيرا، وها هو الطرح الإسلامي الذي أراد إيجاد بديل لكل هذه التوجهات ينهار أمامنا بعد أن لم يستطع حتى أن يراكم مؤسسات أو تصورات أو نماذج سياسية تضاهي ما حاولت التيارات السابقة تقديمه، رغم فشلها.

طبعا وهذا تحت دعاوى كثيرة يعلقون عليها هذا الفشل، وحتى هذه التيارات الإسلامية التي يبدو تصدرها للمشهد ظاهرا حاليا، لا يوجد لديها وجهة واضحة ولا أطر مرجعية حقيقية محينة، فكل يغني على ليلاه، بل ويتقاتل بعضهم ضد بعض، ويخون البعض ويحطم الأوطان والمقدرات، والمشكل أنهم يفرضون على الجميع اعتبار هذا بناء متينا ويُمنع تسليط النقد عليه، وإلا فسيصلت عليه سيف التكفير بعد أن كانت التيارات السابقة تكتفي بالتخوين والاتهام بالعمالة أو ما إلى ذلك من آليات الوصم والإقصاء، طبعا طالما لم تكن هي الحاكمة لأنها تمارس أيضا نوعا من حدود الردة الفكرية على مخالفيها..

وهنا أحمل النخبة الفكرية المسؤولية التاريخية، سواء التي فشلت سابقا أو الحالية، فلا الأولى قدمت مراجعاتها أو أعطت تصوراتها عن السيرورة التي مرت منها ولا عن مآلاتها التي انتهت إليها، بل إنها أصلا لا تعترف بالفشل وكأن الحياة تتغير وهم تغيروا معها، ومنهم من أنكر نسخته السابقة ومنهم من تزيى بزي الدين وتحربأ مع الوقت بعدما كان ينظّر للقومية أو الاشتراكية أو غيرها صار ينظّر لعكسها، أما التنظير الإسلامي فهو أم الكوارث، حيث لا توجد معيارية واضحة، وكل ما يُكتب يُنسب إلى المقدّس، والمقدس كما هو معلوم لا يدخله الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإذا لم ينجح، فأنت الذي تنتقده هو المخطئ وفيه لوثة شيطانية، بل قد يكون بك مس من جنة أو نكتة صليبية لتحطم الإسلام، فالكل يدعي أنه هو الإسلام وما خالفه الكفر، وهذه كما هو واضح ليست آلية تنظير أو فكر صحية كي تنتج أي تطور.

ولا أنفي طبعا وجود محاولات في كل التيارات والتوجهات، ولكنها لا ترتقي لأن تكون محورية أو ذات وزن حتى داخل بيئتها، فهل المشكل في هذا العقل العربي الحالي أم أن الإشكالية أعقد وأعمق ؟!، وهل ترتبط بالبيئة التي تنتجها؟ أم أن ما نسميه نخبة ليس في حقيقته إلا طبقة من الأعيان والمتعلمين والمختارين من المنظومة الغربية؟ أم أننا أمام معلَّمين ملقَّنين يحملون شواهد مختومة ختم الله بها على عقولهم؟!

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
إلياس
إلياس
ضيف
12 مايو، 2026 18:43

إن كان النظام العالمي (ما يسمى بالطاغوت ) في الأدبيات الإسلامية قد نجح في شيء فهو نجاحه في تحويل أغلب أفراد الأمة الإسلامية العربية خصوصا إلى بشر يعيشون بدون معنى للكرامة وفاقدين للهوية وأبرزهم مايسمى بالنخبة فأصبحو مجرد أدوات قمع ذاتي وزيادة تعميق التخلف والتشبت بالحياة البهيمية على حساب أي مبادئ كالكرامة والحرية

1
0
يسعدنا الاطّلاع على رأيك، لا تتردد في ترك تعليقx