تخطى إلى المحتوى
Ayoub Radil

أيوب رديل
Ayoub Radil

باحث ومدون مغربي

أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد 

لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً

مكتبتي

لا تحلو القراءة إلا مع مكتبة
مجرب شخصيا
في عالمٍ يسير فيه الجميع في اتجاهٍ واحد، يُولد وعيُك كلعنةٍ تجعلك تسير عكسهم. لا لأنك تختار التمرد، بل لأنك لا تستطيع إلا أن ترى ما يغضّون عنه البصر. إنها لذة الألم، وعقوبة المعرفة، ووسمُ اللامنتمي الذي لم يعد له مكان في القطيع
لعنة الوعي تبقى لذة بالرغم من قسوتها
Facebook
X
Pinterest
WhatsApp
Telegram
Email
Print

قد لا يتعرض الجميع لهذا، ولكن سيفهم جيدا مقصودي فيما سيأتي، كل من غلّف كتابا كي يخفي عنوانه عن المحيطين، أو من نقل مكتبته مرة أو مرتين، ليبحث عن ملجأ أو مسكن، ومن تعرض للكراهية مباشرة فقط لأنه يقرأ، فما بالك بأن يقرأ خارج الصندوق والقالب المفروض.

هذه اللعنة المادية لهذا المجال، والتي لا تعني شيئا في جوهرها، بل تتحول إلى لذة وملح لرحلة الفكر.

أما اللعنة المعنوية، فهي أن تجد نفسك مقصيا اجتماعيا من أقرب الأقربين، بل تُحس منهم حالة توجس مستمرة، تفرض عليك الغربة وتصبها عليك صبا كأنها زُبر حديد، بل قطْر الرفض يُفرغ عليك إفراغا.

والواقع أوجع، إذا كنت ما تزال في سن التحصيل العلمي والمعرفي، ولم يشتد عودك بعد، أو كان بك علّة صحية مزمنة، تتطلب وضعا معينا من العناية. فكيف بك إذا من الأوساط الفقيرة أو بالكاد تتعفف.

إنه ألم من نوع فريد جدا، لا يفوقه إلا وسم بتخريب الأقربين، فتتحول إلى ملعون يعلق في وجهه شعار “لا مساس”.

وبعد أن اطلعتَ على كل كتب تيار كنت تقدسه واتضح لك أنها كتب لا تستحق كل ذلك التقديس. علما أنك لم تنطلق في رحلتك بهذه النية، بل بنية السعي للوصول إلى نموذج يُرضي المُقدِّسين، ولفهم سرّ المقدَّس والتنمذج عليه والتأسي به. لتجد أمامك كل كليشيهات التثبيط، بل أمام انكشاف صادم هادم، فمن تيار يدعو إلى المعرفة، إلى الوقوف أمام محاكم التفتيش بعنوان القراءة مجرد “جنون”، علما أن المُقدَّس عند الطائفة وُسم بهذا سابقا، وكان له بمثابة الوسام.

فهل هو وسام لي أم أنه ختم تكوى به جبهتي؟

وسمُ أنك كافر بما ألفيت عليه أباءك، أو خائض في عالم الترف الفكري، وياله من منزلق.. يا ليتك زنيت وسَكَحْتَ براميل الخمور ولم تنزلق فيه، فعلى الأقل كنا لنقول هداه الله، فقد انتكس وفتر.. ولكنك بانزلاقك هذا، صرتَ شيطانا ماردا يفهم ويريد أن يُفهِم. علما أنني أعاني من عقدة ثقة وانطوائية، فلا أحب أن أشرح ولا أن أُفصح عن ما توصلت إليه، لأن ألم المعرفة ومخاضها عندي يشبه ألم الولادة، ومن يريد أن يولّد كل من يلتقيه ويجعله يتألم؟

بل إن من مرادفات الشرح عندي “الاغتصاب”، تتعرض له عندما يمسكك متعالم أو متثاقف قرأة ورقة أو منشورا، أو تجَبَّت بالجبت والطاغوت جي بي تي GPT، فينطلق في التحرش بعقلك، ويحصرك كلما حصّلَك في زاوية، مستقويا بمكانته أو بتعاطفك، ثم ينطلق في ممارساته القذرة في الشرح التعسفي، ويا ليتهم يضعون قوانين ولافتات لمنع الشرح لمن لم يسألك، أو على الأقل يدخلوه في قوانين الشرح الرِّضائي، أو ليتركوا المرء وضميره كي يدخل لدور الشراحة التي سموها عرضا مدارس أو جامعات.

وبعيدا عن هذه المجازية القذرة التي ينتجها عقلي الغريب، الذي لا يكف أن يفاجئني بها أنا شخصيا، أعود إلى لعنة الوعي، ولعل هذا التشبيه المذكور خير تجسيد لهذه اللعنة.

وأقول عنه وعي بالرغم عني، وإلا فأنا لا أعتبره وعيا بمعناه المضبوط أو الشائع، وإنما أقصد المفهوم الفضفاض جدا، فمن أنا كي أقول أنني واعٍ، وزيادة في التوضيح فلست كباقي الناس، ربما يظنها البعض تفردا والبعض الآخر نزقية أو حذلقة، ولكن الله يشهد كم أتمنى لو كنت مثلهم، أحب رائحة القطيع، وأرتاح في الزريبة، أجتر الآراء السائدة والرائجة، التي ترضي الراعي وتجعلني مرضيا كباقي إخواني الخرفان والنعاج، ولربما حساسيتي والتهاب جيوبي الأنفية يساهم في هذا النفور من القطعانية.

أحيانا أجدني مصدوما من نفسي وداخلا في حالة حزن وكرب، لأنني لم أستطع تقبل رأي سائد، في حين أن هذا هو المريح لي ولحالتي المادية والمعنوية، فعلى العكس لا أستطيع التنفس إلا عندما أرفض. ويكون لدي من الحجج لدرجة أن من سيسألني سأشفق عليه أيما شفقة، لأنني سأريه النافذة التي انفتحت أمامي حول الموضوع، والتي إذا أطل منها، إما أن يُصدم في بنائه المعرفي الذي لا يعرف أصلا بوجوده وتشكله في ذهنه، وبالتالي سيحس كأن وجوده تهدد بشكل كامل، وما أصعب هذا الإحساس، وإما أن يكون تصرفه طبيعيا جدا والأقرب للتطبيق وإلى الصواب الغريزي، وهو أن يكابر لا شعوريا، ومنه أن يكرهني بقساوة غير مبررة كأنه أحد المكهوفين في كهف أفلاطون والذين أحرق الضوء بصره، فيصب جام حنقه علي، فيطلب المباعدة مني بعد الشرق والمغرب؛ فإذا لم تكن هذه لعنة فما اللعنة إذن؟.

والغريب في هذه اللعنة أنها لذيذة بشكل غير طبيعي، كأنها تجربة من نوع محرّم، غير أنها جميلة لدرجة الإدمان، ولعلي أجد من خلالها تبريرا لقصة الفاكهة المحرمة أو شجرة المعرفة، التي يدّعون أن سيدنا آدم قطف منها، بالرغم من عدم موافقتي على هذه القصة بشكلها في الروايات القديمة، أو لنقل أتقبلها بتعبير عرفاني عن معاني أخرى وقصة أعمق مما يُروى.

ألم يكن كافيا أن تقول هنا أنك تؤمن بالقصة ونصنفك من هؤلاء، أو تقول لنا لا أؤمن بها فنصنفك مع أولئك؟

بل تفتح دائما نافذة مزعجة ملعونة تمنعنا من تصنيفك بالشكل المريح التلقائي..

يبدو أن هذه اللعنة لها فائدة واحدة، وهي فائدةً تصل لدرجة الندرة والفرادة، بل القداسة، إنها فائدةُ عدم احتواء أي تصنيف لي، فلا يوجد ملصق جاهز ليتم تعليقه علي، بل تحتاج دائما للارتباك معي. وهذا ثقيل على شخص ودود مثلي وانطوائي، بل يرهقني نفسيا حتى في الاختيار السطحي التلقائي، مما يجعل محرك البحث مشتغلا دون توقف، وأبواب عدم اليقين مشرعة مفتوحة على الدوام. ويُلزمني الضحك على من يمتلك مفاتيح الحقيقة، فهو يتحول في نظري مباشرة إلى المجنون الذي لديه مفتاح الباب المرسوم على الحائط، ويدعي أن باقي المجانين، الذين يحاولون فتح الباب المرسوم، مجرد تافهين لأنه صاحب المفتاح. ويبقى إحساس عدم التصنيف وما ينتج عنه، لذيذا جدا لشخصية عميقة أكبر مني توجد بداخلي، أظن أنها أحيانا ترعبني شخصيا، ولعلها هي تجسد هذه اللعنة.

5 6 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
6 تعليقات
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
أسماء
أسماء
ضيف
1 نوفمبر، 2025 00:12

مقالة رائعة جدا، ننتظر مقالة جديدة من هذا الفكر المفقود

اية
اية
ضيف
31 أكتوبر، 2025 23:43

مقالة عميييقة صراحة. وفقك الله وزادك من فضله الواسع.

إلياس
إلياس
ضيف
25 أكتوبر، 2025 13:51

أظن أن كل البشر أنعم الله عليهم بنعمة التمييز وحرية الإرادة والقدرة على الفهم وتلك الرغبة الدفينة في البحث عن الحقيقة ولكن الخيار الأسهل الذي يختاره الغالبية الساحقة هو إغلاق ذلك الباب من أول فرصة والإستمتاع بنعيم الجهل ومن لا يطاوعه ضميره ليعرض عن البحث والسعي خلف الحقيقة يعيش في هذه اللعنة “لعنة الوعي” ولكن ألمها بالنسبة إليه هو الألم الوحيد الذي لا يشعر بسببه بالندم بل بمتعة غريبة لعلك وصفت جزء منها في مقالك الممتع

6
0
يسعدنا الاطّلاع على رأيك، لا تتردد في ترك تعليقx