تخطى إلى المحتوى
Ayoub Radil

أيوب رديل
Ayoub Radil

باحث ومدون مغربي

أكتب لأستفز العقل وأطرح الأسئلة… أؤمن أن الفكر هو أول خطوة في طريق الحرية ومقاومة الاستبداد 

لا أعدُك بشيء… سوى أن أُربك يقينك قليلاً

مكتبتي

لا تحلو القراءة إلا مع مكتبة
مجرب شخصيا
في زمنٍ تتحول فيه المعلومة إلى سلعة، ويقاس الوعي بعدد الإعجابات والمشاهدات، يُصاب الإنسان بتسطّحٍ معرفي مرعب؛ لا لأن أحدًا يمنعه من التفكير، بل لأنه لم يعد يرغب فيه أصلًا. الوعي اليوم يُباع ويُشترى، والخوارزميات هي الكاهن الجديد الذي يبارك الغفلة الجماعية باسم الحرية والترفيه.
تسطيح الوعي عبر الرقمنة والرأسمالية الرقمية
Facebook
X
Pinterest
WhatsApp
Telegram
Email
Print

كيف تحوّل الإنسان إلى كائن أحادي البعد في عصر الفيض المعلوماتي؟

في زمن التداول تنتشر عُملة التفاهة، وتحقق صعودا لم تحققه أي عملة لا رقمية ولا غير رقمية، حيث تطغى ظاهرة الأستاذية في طرح أي موضوع، الجميع صار “كوتش” في كل المجالات، فباتت البهرجة هي البرهان على الصدق، وبما أن الإنسان الوالج إلى وسائل التواصل إما يفرّ من واقعه أو يبحث عن ركوب الموجة، فإنه يتحول إلى حالة “كائن أحادي البعد“، كل ما يريده هو إرخاء عقله، والتقام أي طُعم مُبهرج يعجبه ويجذبه، هذا لأن الإنسان بأصله لديه خاصية مميزة وهي أنه يبحث عن الاقتصاد المعرفي أو Cognitive Ease، حيث يرخي فكّه ويتحول إلى ماسورة تبتلع كل شيء سهل وبسيط، عليه عنوان جذاب وفيه قواعد الكليكبايت Clickbait.

بهذا الشكل تتغشى سطحية مقيتة على مستوى الوعي، تتشكل بإثرها إعاقة على مستوى التحليل النقدي، فالتحليل يحتاج إلى رَوِيَّة ووقت كي يستطيع العقل تمحيص ما يدخل إليه من معلومات، ولكن ثقافة القفز أو Skipping Culture تمنع فحص هذه المعلومات الداخلة، ما يمنع أي تطوير للحس النقدي أو التحليل العميق، أضف إلى هذا القوانين التي تم تكريسها في الفضاء السيبراني حاليا، ومنها القاعدة العددية، حيث أن كثرة الإعجاب أو المشاهدة تحولت إلى دليل صحة وصوابية، بل طغى هذا حتى على العلاقات والذوق الاجتماعي، فالصادق أو الجميل أو المفيد يُقاس بالعدد، أي بالكمية عوض العمق والكيفية.

وهنا نتحول من التسطيح فقط إلى الإنهاك أو The Burnout، الذي تناوله الكاتب Byung-Chul Han في العديد من كتاباته، حيث يرى أن الوعي المعاصر لم يُسطَّح فقط بل أُنهِك، وأضيف هنا أن هذا المُستهلَك يتحول من كائن متلقٍّ للمعلومة إلى كائن مُرهَق، يصل إلى حالة التنويم المغنطيسي، أو بلغة التراند يتحول إلى زومبي معلوماتي، مشحون بمعلومات في كل المجالات، وكلما لمستَه في نقاش استفرغ عليك ما تلقنه، لأنه لم يجاوز المريء، ولم يصل إلى باحات التخزين الدماغية.

كل هذا له حيثيات أوصلت الوعي إلى الاستنزاف، وقد تنبأ بودريار Jean Baudrillard بهذا عندما طرح فكرة فيض المعلومات، وأن هذا الفيض لا يعمق الوعي بل يستبدله بفراغ لامع.

«نعيش في عالم فيه معلومات أكثر فأكثر ومعنى أقل فأقل»

وبما أن الوعي يتحول إلى سلعة استهلاكية بسبب الرأسمالية الرقمية، حيث صار كل انفعال أو تفاعل يُستثمر ويُباع، إما عبر جمع الداتا Data وإما عبر ركوب أمواج التراندات، التي يعتبر كل من لم يركبها متخلفا رقميا أو غير مواكب للبوز، والعجيب أن هذا الوعي صار يُقاس بالثواني، فكم من البشر استقى معلوماته التي قد يبني عليها قرارات مصيرية، من مقاطع قصيرة، لا تصل أحيانا إلى الدقيقة أو الدقيقتين، بينما كان اتخاذ مثل هذه المواقف الحاسمة يُبنى على بحث معمق وقراءات أو خبرات معاشة.

أودّ هنا أن أنوه إلى أن القراءة وبالضبط قراءة الكتب، تُكسب على الأقل تُؤدة تنمي ملكة التعاطي مع فكرة بعمق وطول نفس، وتقليب أوجهها ومعانيها، أو ملاحقة خيوط الكاتب كلها والوقوف على إصاباته أو هفواته، أو على الأقل مبتغاه من الفكرة، الشيء الذي لا يوجد في المقاطع القصيرة، بل حتى في المقاطع الطويلة، لأن كتابة سطر قد تستغرق من الكاتب ساعات طوال، بينما النقاش معه في حلقة مصورة قد يكون مستفزا أو موجها أو ما إلى ذلك من المشوشات، التي قد تمنع وصول الفكرة، بل أضيف إلى هذا حتى المقالات، حيث إنها تخضع لقوانين الكليكبايت، ومحاولات جذب الناقرين وشد انتباههم بوسائل تافهة سفيهة، كي يمضوا وقتا أطول في الصفحة، وأحيانا يحتاجون لتكرار نفس العبارات والجمل لتقوية فرصة الظهور على محركات البحث.

«ما كان أورويل Orwell يخشاه هو أولئك الذين يحظرون الكتب، أما ما كان هكسلي Huxley يخشاه فهو أن لا تكون هناك حاجة لمنع الكتب أو حظرها، لأنه لن يرغب أحد في قراءتها»
– نيل بوستمان Neil Postman

فلذلك نرى حتى متثاقفينا لديهم ركاكة ترديدية، وسطحية فجة في التحليل، ناهيك عن هشتقة المفاهيم والمواضيع، فالموضوع ما لم يتحول إلى هاشتاق Hashtag أو وسم لما تعاطت مع الفانبيز Fanbase، والتي تحولت إلى قُطعانية رقمية مهولة، تمنع المترددين أو ذوي المناعة النقدية الضعيفة من رفض شيء ما، لأنه مُجمع عليه وِفق الإجماع الرقمي، كما تساهم أيضا الخوارزميات في هذا التسفيه، فهي مبرمجة لإصعاد المواضيع كميّاً وليس حسب الفائدة، وأحيانا باستقصاد إما من الحكومات أو الجهات الرسمية، وإما من الشركات الكبرى ولوبياتها الرقمية، بهذا يتحول الوعي إلى مكب نفايات هشتاغية موجهة خواريزميا.

وكي أُجمل ركام أبعاد هذا الموضوع، أقول أن آليات تسطيح الوعي ليست وليدة العصر الحالي، وإنما قد عرفها المجتمع البشري منذ القدم، على الرغم من أن وسائل نقل المعرفة كانت ثقيلة، وتمر عبر شيخ القبيلة أو طقوس العبور أو بالخبرة المعاشة، إلا أن الجماعة البشرية كانت تفضل “الإجماع السطحي” على “الصراع العميق“، كي تحافظ على لحمة الجماعة، وذلك بإنتاج الطقوس المهدِّئة أو ما يسمى “الخبز والسرك” أو Bread and Circus.

أما حاليا ومع التطور فتتحول وسائل تسطيح الوعي إلى أداة سلطوية خطيرة، قد تصير أداة تحكم وتعبيد للبشر، عبير اللهو والمتعة والإغراق بالمعلومات السطحية، ليتحول الكائن المُرهق إلى كائن سهل المراس، ينقاد بغوغائية نحو اختيارات مُعدّة مسبقا، وعملية الفكاك من هذه الحالة تصعب كلما زاد هذا التحكم والتسطيح، وأول الانعتاق هو التفكير بجدية في هذا المشهد، وعكسه بتعزيز النقد والتحليل، وتخفيف سرعة السكرول Scrolling.

4.4 7 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
9 تعليقات
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
إلياس
إلياس
ضيف
18 أكتوبر، 2025 19:44

كلامك يسلط الضوء على ظاهرة مهمة وتسميتك لها ب”تسطيح الوعي” كان خيار دقيق وأضيف أنه بسبب هذا التسطيح أصبح الكل يستوعب الواقع وفق وجهة نظر محدودة جدا وذاكرة قصير لا أحد بات يربط بين الأحداث وحتى الأفكار وبالتالي أصبحنا أمام جيل يكاد يكون منعدم الهوية

َاية
َاية
ضيف
18 أكتوبر، 2025 18:14

أفضل ما قرأت حتى الان حول الموضوع

Aya
Aya
ضيف
18 أكتوبر، 2025 18:12

جاء مقالك في الوقت المناسب تمامًا، فمنذ قليل وجدت نفسي منغمسة في scrolling لانهائي، فتوقفت لأتأمل الآثار التي يمكن أن تخلّفها هذه السهولة في التصفح المستمر على عقول البشر، وكيف أصبح من السهل تصديق كل ما نراه في المقاطع القصيرة وعلى تيك توك وغيرِه. لقد تناول مقالك كل ما يمكن أن يقوله عقل حكيم ورصين، وهو حقًا يستحق الثناء.

Asmaa
Asmaa
ضيف
17 أكتوبر، 2025 21:30

شكرا لتطرقك لهذا المضوع الذي أصبح مستفزا حقيقة

Asmaa
Asmaa
ضيف
17 أكتوبر، 2025 21:25

مقالة رائعة جدا من أفضل ما قرأت، قراءة ممتازة لموضوع أساسي نعاني منه أفرادا ومجتمعات،

9
0
يسعدنا الاطّلاع على رأيك، لا تتردد في ترك تعليقx